الخميس 16 يوليو 2026 05:04 مـ 30 محرّم 1448هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

آراء وكتاب

مالك السعيد المحامي

مالك السعيد المحامي يكتب: من يرث أولًا.. القانون أم الجنسية أم موقع التركة؟


لم تعد قضايا الميراث والتركات ذات الطابع الدولي من القضايا الاستثنائية كما كانت قبل عقود، بل أصبحت من أكثر المنازعات القانونية تعقيدًا في ظل الزيادة المستمرة في معدلات الهجرة والاستثمار والعمل خارج الحدود واكتساب الجنسيات الأجنبية. وتشير تقديرات المنظمات الدولية إلى أن عدد المهاجرين الدوليين تجاوز 280 مليون شخص حول العالم، بينما يعيش عشرات الملايين من الأشخاص حاملين لجنسيتين أو أكثر، فضلاً عن امتلاكهم أصولاً عقارية وتجارية واستثمارات وحسابات مصرفية موزعة بين عدة دول. هذه المتغيرات خلقت واقعًا قانونيًا جديدًا أصبحت معه التركة الواحدة تخضع في أحيان كثيرة لأكثر من نظام قانوني، وأكثر من محكمة، وأكثر من جهة تنفيذ، بما يجعل أي خطأ في إدارة الملف يؤدي إلى نزاعات تمتد لسنوات طويلة، وربما تضيع معها أجزاء كبيرة من الحقوق المالية للورثة.
وتزداد الأزمة تعقيدًا عندما يتوفى شخص يحمل جنسيتين ويترك أموالاً أو عقارات أو شركات أو حسابات مصرفية في دولتين أو أكثر، إذ يثور التساؤل الأساسي حول القانون الواجب التطبيق على توزيع التركة، وهل يتم تطبيق قانون الجنسية، أم قانون الموطن المعتاد، أم قانون الدولة التي يقع فيها المال، أم يتم الجمع بين أكثر من قانون في الوقت ذاته. وهذه ليست مسألة نظرية وإنما قضية عملية تمس ملايين الأسر حول العالم، لأن اختلاف قواعد الميراث بين الدول قد يؤدي إلى اختلاف جذري في أنصبة الورثة، وفي الاعتراف بالوصايا، وفي حقوق الزوج أو الزوجة، وفي حقوق الأبناء، بل وفي تحديد من يعتبر وارثًا من الأساس.
ويعرف الفقه القانوني هذه الإشكالية باسم تنازع القوانين في مسائل الأحوال الشخصية والمواريث، وهي من أكثر فروع القانون الدولي الخاص حساسية، لأن كل دولة تتمسك بسيادتها التشريعية على الأموال الموجودة داخل إقليمها، وفي الوقت نفسه تتمسك بتطبيق قانون جنسية المتوفى أو موطنه بحسب فلسفة نظامها القانوني. ولذلك فإن الملف الواحد قد يخضع أمام القضاء لأكثر من قانون في وقت واحد، وهو ما يفرض على المحامي أن يمتلك خبرة عميقة ليس فقط في القانون الوطني، وإنما كذلك في قواعد القانون الدولي الخاص والاتفاقيات الدولية وإجراءات تنفيذ الأحكام الأجنبية.
وتتجه العديد من الأنظمة القانونية ذات المدرسة المدنية إلى تطبيق قانون جنسية المتوفى على مسائل الميراث، بينما تعتمد دول أخرى معيار الموطن المعتاد باعتباره الأكثر ارتباطًا بالحياة الواقعية للشخص قبل وفاته. وفي المقابل تتمسك غالبية التشريعات بتطبيق قانون موقع العقار فيما يتعلق بالحقوق العينية العقارية، وهو ما يعرف بمبدأ خضوع العقار لقانون موقعه، الأمر الذي يؤدي عمليًا إلى انقسام التركة الواحدة بين أكثر من قانون وأكثر من جهة قضائية.
ولذلك قد نجد شخصًا يحمل الجنسية المصرية والجنسية الكندية على سبيل المثال، ويقيم بصورة دائمة في دولة ثالثة، بينما يمتلك عقارات في مصر واستثمارات في أوروبا وحسابات مصرفية في الخليج وأسهمًا في شركات دولية. في هذه الحالة قد تخضع العقارات لقانون الدولة الموجودة بها، بينما تخضع بعض المنقولات لقانون آخر، وقد تختلف قواعد الوصية، وإثبات الوفاة، وإجراءات حصر التركة، وشروط إصدار إعلام الوراثة أو ما يقابله في كل دولة، وهو ما يجعل الملف شديد التعقيد من الناحية الفنية.
ولا تقف المشكلة عند تحديد القانون الواجب التطبيق، وإنما تمتد إلى الاعتراف بالأحكام الأجنبية وتنفيذها. فكثير من الورثة يحصلون على أحكام أو شهادات حصر إرث في دولة معينة ثم يفاجؤون بعدم الاعتراف بها تلقائيًا في دولة أخرى، بسبب اختلاف شروط تنفيذ الأحكام الأجنبية أو عدم وجود اتفاقيات قضائية أو اشتراط اتخاذ إجراءات إضافية مثل التصديق والترجمة القانونية والتوثيق وإعادة رفع الدعوى أمام القضاء المحلي.
كما تظهر أزمة أخرى تتعلق بالوصايا الدولية، إذ تعترف بعض الدول بحرية الشخص في التصرف في كامل أمواله بموجب وصية، بينما تفرض دول أخرى نظام الأنصبة الإجبارية للورثة بما يحد من حرية الموصي. وهنا قد تصبح الوصية صحيحة في دولة وباطلة جزئيًا أو كليًا في دولة أخرى، وهو ما يؤدي إلى نزاعات مالية ضخمة بين الورثة قد تستمر سنوات.
وتزداد المخاطر إذا كانت التركة تضم شركات عائلية أو حصصًا في شركات مساهمة أو محافظ استثمارية أو أصولًا رقمية أو حسابات إلكترونية أو محافظ عملات مشفرة، إذ تختلف القواعد المنظمة لنقل الملكية والإفصاح الضريبي وإجراءات انتقال الحقوق من دولة إلى أخرى، كما تختلف متطلبات البنوك والمؤسسات المالية بشأن المستندات اللازمة للإفراج عن الأموال.
وتشير الخبرة العملية إلى أن أكثر من سبعين في المائة من الوقت المستغرق في ملفات التركات الدولية لا يضيع في التقاضي ذاته، وإنما في استكمال المستندات، والحصول على التصديقات الرسمية، وترجمة الوثائق ترجمة قانونية معتمدة، والتنسيق بين الجهات المختصة في الدول المختلفة، والتأكد من مطابقة الإجراءات القانونية في كل دولة. ولذلك فإن الإدارة الاحترافية للملف منذ بدايته توفر على الورثة سنوات من النزاعات وتحد من الخسائر المالية بصورة كبيرة.
ومن أبرز الإشكاليات الفنية كذلك اختلاف قواعد الإثبات، فقد تعترف دولة بوثيقة معينة بينما تشترط دولة أخرى مستندات إضافية، كما قد تختلف قواعد إثبات النسب والزواج والطلاق والتبني وإثبات الوفاة، وهو ما يؤثر مباشرة في تحديد صفة الوريث واستحقاقه لنصيبه من التركة.
وتبرز كذلك الاعتبارات الضريبية باعتبارها أحد أهم عناصر إدارة التركات الدولية، فبعض الدول تفرض ضريبة على التركات أو على انتقال الملكية أو على أرباح بيع الأصول الموروثة، بينما لا تعرف دول أخرى هذا النوع من الضرائب. ويستلزم ذلك دراسة دقيقة لتجنب الازدواج الضريبي والاستفادة من الاتفاقيات الضريبية الثنائية كلما كانت متاحة.
ومن الناحية العملية فإن معالجة هذه القضايا لا يمكن أن تعتمد على مكتب محاماة يعمل داخل حدود دولة واحدة فقط، لأن الملف بطبيعته يمتد عبر عدة نظم قانونية، ويستلزم التواصل مع محامين محليين، وخبراء ضرائب، وموثقين، ومترجمين قانونيين، وجهات تسجيل عقاري، وبنوك، وهيئات قضائية في أكثر من دولة. وهنا تتجلى الأهمية الاستراتيجية لبروتوكولات التعاون والعلاقات المهنية الممتدة بين مكاتب المحاماة عبر الحدود، والتي أصبحت اليوم أحد أهم عناصر النجاح في إدارة المنازعات الدولية.
إن بروتوكولات التعاون القانونية لم تعد مجرد علاقات مهنية، وإنما أصبحت آلية عمل متكاملة تتيح سرعة تبادل المعلومات، والتحقق من المستندات، ومتابعة الإجراءات المحلية، واختصار الوقت، وتقليل التكلفة، وضمان سلامة الإجراءات القانونية في كل دولة. كما تسمح هذه الشراكات بتكوين فرق عمل متعددة التخصصات تضم محامين وخبراء ضرائب وخبراء تقييم أصول ومستشارين ماليين، بما يحقق إدارة متكاملة للتركة الدولية منذ لحظة الوفاة وحتى الانتهاء من نقل جميع الأصول إلى الورثة.
ومن واقع الخبرة الممتدة لما يقارب ثلاثة عقود في العمل القانوني، تعامل مكتب مالك السعيد للمحاماة والاستشارات القانونية مع طيف واسع من القضايا ذات العنصر الأجنبي، شملت منازعات المواريث والتركات الدولية، وإثبات الحقوق الموروثة، وتمثيل الورثة في النزاعات القضائية، والتنسيق مع مكاتب محاماة وشركاء مهنيين في عدد من الدول، بالإضافة إلى ملفات الأحوال الشخصية والأسرة ذات الامتداد الدولي، بما في ذلك تنفيذ الأحكام الأجنبية، وتسوية المنازعات الأسرية العابرة للحدود، واسترداد الحقوق المالية المرتبطة بالتركات، وإدارة الملفات التي تتداخل فيها قوانين متعددة وإجراءات قضائية متزامنة.
وقد أثبتت الخبرة العملية أن النجاح في هذه النوعية من القضايا لا يتحقق بالمرافعة وحدها، وإنما يبدأ منذ اللحظة الأولى بوضع استراتيجية قانونية متكاملة تشمل تحديد القانون الواجب التطبيق، ورسم خريطة الأصول، وتحليل الاختصاص القضائي، ومراجعة الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وتقدير المخاطر القانونية والضريبية، ثم التنسيق مع الشركاء المهنيين في الدول المعنية لضمان توحيد مسار الإجراءات وعدم تعارضها.
كما أن قضايا الأسرة ذات الطابع الدولي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بقضايا المواريث، لأن النزاعات المتعلقة بإثبات الزواج أو الطلاق أو النسب أو الحضانة قد تنعكس بصورة مباشرة على تحديد الورثة وأنصبتهم، وهو ما يجعل وجود فريق قانوني يمتلك خبرة متكاملة في قضايا الأسرة والمواريث الدولية عنصرًا حاسمًا في حماية الحقوق.
إن التطور المتسارع في حركة الأفراد ورؤوس الأموال والاستثمارات الدولية يعني أن هذا النوع من المنازعات سيشهد زيادة مستمرة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفرض على مكاتب المحاماة تطوير أدواتها، وتعزيز شراكاتها الدولية، والاستثمار في بناء شبكات تعاون عابرة للحدود قادرة على تقديم حلول قانونية متكاملة تتناسب مع تعقيد هذه الملفات.
وفي النهاية، فإن تنازع القوانين في الميراث والتركة بالنسبة لمزدوجي الجنسية ليس مجرد خلاف حول اختيار نص قانوني، وإنما هو منظومة معقدة تتداخل فيها اعتبارات السيادة الوطنية، والاختصاص القضائي، والاتفاقيات الدولية، والضرائب، والإجراءات التنفيذية، وحقوق الورثة، وهو ما يجعل الإدارة الاحترافية للملف ضرورة قانونية وليست خيارًا. ومن هنا تبرز القيمة الحقيقية للخبرة المتراكمة، وللعلاقات المهنية الممتدة، ولبروتوكولات التعاون بين مكاتب المحاماة داخل الدولة وخارجها، باعتبارها الوسيلة الأكثر فاعلية لضمان حماية الحقوق، وتسريع الإجراءات، وتقليل النزاعات، وتحقيق العدالة للورثة في عالم لم تعد تعترف معاملاته وحدوده بالقيود الجغرافية التقليدية.