الأربعاء 15 يوليو 2026 05:04 مـ 29 محرّم 1448هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

ثقافة

في تأبين سكاتولين..عاش محبا لمصر وترك إرثا خالدا في دراسات التصوف

ندوة تأبين المستشرق الإيطالي جوزيبي سكاتولين
ندوة تأبين المستشرق الإيطالي جوزيبي سكاتولين

هناك رجال لا يُقاس حضورهم بعدد ما كتبوا، ولا بما نالوه من ألقاب، وإنما بما تركوه في الأرواح من أثر، وفي العقول من نور، وفي الضمائر من يقين بأن المعرفة الحقة لا تفرق بين البشر، بل تجمعهم. وحين يرحل هؤلاء، لا يغيبون عن العالم فحسب، بل يغيب معهم جزء من حكمته.

بهذا المعنى الإنساني العميق، احتضنت كنيسة كورديزو للكاثوليك اللاتين المقابلة لنقابة الصحفيين، والتي يعود تاريخها إلى عام 1880، ندوة لتأبين المستشرق الإيطالي والأب الدكتور جوزيبي سكاتولين، أحد أبرز أعلام الدراسات الصوفية في العالم، في أمسية امتزجت فيها الفلسفة بالوفاء، والعلم بالمحبة، واستُعيدت خلالها سيرة رجل جعل من المعرفة جسراً للحوار بين الحضارات.

وجاءت الندوة بدعوة من الدكتور أحمد حسن أنور، أستاذ الفلسفة بجامعة بورسعيد وأحد تلامذة الراحل، فيما أدارها الدكتور حسن حماد، أستاذ الفلسفة وعميد كلية الآداب بجامعة الزقازيق الأسبق، بحضور المطران كلوديو لوراتي، مطران الكنيسة اللاتينية في مصر، إلى جانب نخبة من كبار المفكرين وأساتذة الفلسفة والثقافة.

وشارك في الندوة الدكتور عصمت نصار أستاذ الفكر العربي بجامعة القاهرة، والدكتور عبد الحميد مدكور أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم والأمين العام لمجمع اللغة العربية، والدكتور عبد الرحيم درويش، والكاتبة سهير عبد الحميد، والكاتب الصحفي الدكتور محمد ثروت، والدكتور سيد حافظ** أستاذ الفلسفة المساعد بجامعة بني سويف، والكاتبة ابتهال عبد الوهاب عضو لجنة الفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة، حيث قدم كل منهم شهادة إنسانية وعلمية في حق رجل لم يكن باحثًا في التصوف الإسلامي فحسب، بل كان متصوفًا بالمعنى الإنساني للكلمة؛ عاش المحبة قبل أن يكتب عنها، ومارس الحوار قبل أن ينظّر له.

وأكد المتحدثون أن الأب جوزيبي سكاتولين كان واحدًا من أهم المتخصصين عالميًا في التصوف الإسلامي، إذ كرّس حياته لدراسة التراث الصوفي، وألّف ما يقرب من ستين كتابًا ودراسة أصبحت مراجع أساسية للباحثين، كما عُدّ من أبرز من درسوا الشاعر الصوفي الكبير عمر بن الفارض، بعد رحلة علمية طويلة جاب خلالها المكتبات والمراكز العلمية بحثًا عن مخطوطاته، إيمانًا منه بأن صون التراث هو صون لذاكرة الإنسانية.

وأشار المشاركون إلى أن تميز سكاتولين لم يكن في غزارة إنتاجه العلمي فحسب، بل في نظرته العميقة إلى التصوف باعتباره رسالة أخلاقية وإنسانية، وطريقًا لترسيخ قيم الرحمة والمحبة والسلام الداخلي، ومنهجًا للتقارب بين البشر، بعيدًا عن التعصب والانغلاق. وكان يؤمن بأن الحوار الحقيقي بين الأديان لا يبدأ من الاختلافات العقائدية، وإنما من القيم الإنسانية المشتركة التي تجمع البشر جميعًا.

واستحضرت كلمات المتحدثين علاقته الخاصة بمصر، مؤكدين أن حبه لها لم يكن مجرد إعجاب ببلد احتضنه، بل كان انتماءً روحيًا وثقافيًا. فقد أتقن اللغة العربية حتى أصبحت جزءًا من وجدانه، وعرف المجتمع المصري عن قرب، وأحب أبناءه، وساند أجيالًا من الباحثين والطلاب بعلمه ووقته ودعمه، في نموذج نادر لعالم أدرك أن المعرفة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون إنجازًا أكاديميًا.

وكشفت شهادات الحضور عن جانب آخر من شخصيته؛ الإنسان المتواضع الذي لم تغيره مكانته العلمية العالمية، وظل قريبًا من طلابه ومحبيه، كريمًا في عطائه، حاضرًا بابتسامته وإنسانيته، حتى بدا التأبين أقرب إلى لقاء للمحبين يستعيدون سيرة معلم ترك في كل واحد منهم أثرًا لا يُنسى.

وأكد المتحدثون أن استدعاء تجربة الأب جوزيبي سكاتولين في هذا التوقيت يحمل دلالة خاصة، ففي عالم تتصاعد فيه أصوات الكراهية والانقسام، تبدو سيرته نموذجًا لعالم جمع بين الإيمان والعقل، وبين الفلسفة والروحانية، وجعل من المعرفة وسيلة لبناء الإنسان، لا أداة للصراع أو الإقصاء.

لقد علّم سكاتولين أن التصوف ليس هروبًا من الواقع، بل عودة إليه بقلب أكثر رحمة، وأن الدين في أسمى تجلياته ليس جدارًا يفصل بين البشر، بل جسرًا يصل بينهم، وأن الثقافة الحقيقية هي التي تُعلي قيمة الإنسان أيًا كان دينه أو لغته أو وطنه.

واختُتمت الندوة بالتأكيد على أن الأب جوزيبي سكاتولين لم يترك وراءه عشرات الكتب والدراسات فحسب، بل ترك مدرسة فكرية وإنسانية ستظل تلهم الباحثين والمثقفين، ورسالة خالدة مفادها أن المعرفة التي لا تنتهي إلى المحبة تظل معرفة ناقصة.

سلامًا على روح هذا الإنسان النبيل، الذي عاش للفكر دون تعصب، وللدين دون انغلاق، وللإنسان دون تمييز، وسيبقى اسمه محفورًا في ذاكرة الثقافة العربية والعالمية، باعتباره أحد أنبل رسل الحوار، وأحد أبرز الجسور التي ربطت بين الشرق والغرب بالمحبة والمعرفة.