من يحاسب من؟.. عندما تتحول اختيارات الوزراء إلى عبء على الدولة
بقلم : طه المكاوى
لا تُقاس قوة الحكومات بعدد الوزراء الذين تؤدي بهم اليمين الدستورية، وإنما بمدى دقة الاختيار قبل إعلان أسمائهم. فالمنصب الوزاري ليس جائزة، ولا مكافأة، بل مسؤولية وطنية تتطلب أن يكون شاغله فوق مستوى الشبهات القانونية والإدارية، وأن يمتلك من الكفاءة والمصداقية ما يجعله قادرًا على كسب ثقة المواطنين منذ اللحظة الأولى.
ومع كل تعديل وزاري، يطرح الشارع المصري السؤال نفسه: هل خضع المرشحون بالفعل لأعلى درجات التدقيق؟ أم أن بعض الملفات لا تُراجع إلا بعد أن يصبح صاحبها وزيرًا، فتبدأ المفاجآت في الظهور تباعًا، وتجد الحكومة نفسها في موقف الدفاع بدلاً من الانطلاق للعمل.
قضية د. جيهان زكي... درس لا ينبغي تجاهله
عادت قضية الدكتورة جيهان زكي إلى الواجهة بعد صدور حكم نهائي من محكمة النقض في قضية تتعلق بحقوق الملكية الفكرية، وهو حكم أنهى جميع درجات التقاضي. وأعادت هذه الواقعة طرح تساؤلات مشروعة حول آليات اختيار الوزراء، ومدى مراجعة ملفاتهم القانونية قبل إسناد المسؤولية إليهم.
ولا يتعلق الأمر هنا باستهداف شخص بعينه، فالقضاء قال كلمته وفق القانون، وإنما يتعلق بالسؤال الأهم: كيف تمر مثل هذه الملفات دون مراجعة دقيقة قبل التعيين؟ وإذا كانت الدولة تمتلك مؤسسات رقابية وقانونية قوية، فمن الطبيعي أن ينتظر المواطن أن تخضع كل السير الذاتية والملفات القانونية للفحص الكامل قبل إعلان أي تشكيل وزاري.
محمد عبداللطيف... الجدل الذي سبق الإنجاز
ولم تكن حالة الدكتورة جيهان زكي الوحيدة التي أثارت الرأي العام، فقد واجه الدكتور محمد عبداللطيف، وزير التربية والتعليم، موجة واسعة من الانتقادات منذ الأيام الأولى لتوليه المسؤولية.
فقد أثيرت تساؤلات حول بعض البيانات الواردة في سيرته الذاتية والمؤهلات الأكاديمية، وهو ما دفع وزارة التربية والتعليم إلى إصدار توضيحات رسمية بشأنها. ورغم هذه التوضيحات، فإن الجدل كشف عن أهمية أن تكون جميع بيانات المسؤولين موثقة ومعلنة بصورة واضحة منذ البداية، حتى لا تترك مساحة للشائعات أو التأويلات.
كما تعرض الوزير لانتقادات بسبب عدد من القرارات المتعلقة بإعادة تنظيم العملية التعليمية، وتعديل نظم التقييم، والتعامل مع كثافات الفصول، حيث رأى منتقدون أن بعض هذه القرارات نُفذت بسرعة ومن دون حوار مجتمعي واسع مع المعلمين وأولياء الأمور، بينما دافعت الوزارة عن هذه الإجراءات باعتبارها جزءًا من خطة إصلاح تهدف إلى معالجة مشكلات تراكمت عبر سنوات.
ومن بين الانتقادات أيضًا استمرار أزمة الدروس الخصوصية، إذ يرى البعض أن الوزارة لم تحقق حتى الآن اختراقًا حقيقيًا في هذا الملف المزمن، رغم أن هذه الأزمة أقدم من الوزير الحالي، وترتبط بعوامل اقتصادية وتعليمية معقدة.
وانتقد آخرون أسلوب التواصل الإعلامي للوزارة، معتبرين أن غياب الشرح السريع لبعض القرارات أتاح المجال لانتشار الشائعات وإثارة حالة من القلق بين أولياء الأمور والطلاب.
المشكلة ليست في الأشخاص... بل في المنظومة
الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن القضية ليست د. جيهان زكي أو د. محمد عبداللطيف أو أي مسؤول آخر، وإنما في منظومة الاختيار ذاتها. فالدول الحديثة لا تبني قراراتها على المجاملة أو الانطباعات، بل على مراجعات دقيقة تشمل المؤهلات، والخبرات، والسجل القانوني، والقدرة على إدارة الملفات المعقدة.
ومن غير المقبول أن تتحول وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي إلى الجهة التي تكتشف ما كان ينبغي أن تعرفه الدولة قبل إصدار قرار التعيين.
الشفافية ليست رفاهية
إن الشفافية ليست شعارًا سياسيًا، بل وسيلة لحماية الدولة قبل حماية المسؤول. فعندما تكون المعلومات واضحة منذ البداية، تتراجع مساحة الجدل، وتزداد ثقة المواطنين في مؤسساتهم.
ولا يعني ذلك أن المسؤول يجب أن يكون معصومًا من الخطأ، ولكن يعني أن الدولة مطالبة بأن تختار أفضل العناصر، وأن تكون مستعدة للإجابة عن أي تساؤلات يطرحها الرأي العام بمعلومات دقيقة ووثائق رسمية.
رسالة إلى الحكومة
إن المرحلة الحالية تحتاج إلى مراجعة شاملة لآليات اختيار الوزراء وكبار المسؤولين، بحيث تخضع جميع الملفات لمراجعة قانونية وإدارية وعلمية دقيقة قبل إعلانها للرأي العام. فالمواطن لم يعد يكتفي بالألقاب، بل يريد أن يرى الكفاءة الحقيقية والشفافية الكاملة.
إن بناء الجمهورية الجديدة لا يكتمل بالمشروعات العملاقة وحدها، وإنما أيضًا ببناء ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، وهذه الثقة تبدأ من حسن اختيار من يتولى المسؤولية.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينتظر المصريون إجابته: هل تتحول الانتقادات والجدل إلى فرصة لتطوير منظومة اختيار القيادات، أم تتكرر الأخطاء مع كل تعديل وزاري جديد؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد مدى قدرة الدولة على ترسيخ مبادئ الكفاءة والشفافية والمساءلة، وهي المبادئ التي تمثل حجر الأساس لأي إدارة ناجحة.


