لا تهدموا ذاكرة الفن المصري
في زحام الحديث عن الاستثمار والتنمية وتعظيم العائد الاقتصادي، يبدو أننا ننسى أحيانًا أن هناك ثروات لا تُقاس بالأموال، ولا تُقدر بعائد استثماري، لأنها تمثل روح الوطن وذاكرته. ومن بين هذه الثروات مبنى قسم التصوير بكلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية ، الذي تتردد أنباء عن هدمه، في خطوة تستوجب التوقف والتأمل قبل فوات الأوان.
هذا المبنى ليس مجرد منشأة جامعية انتهى عمرها الافتراضي، بل هو أحد المعالم الثقافية التي ارتبطت بتاريخ الحركة التشكيلية المصرية الحديثة، وشهد ميلاد أجيال من الفنانين الذين أثروا الحياة الفنية في مصر والعالم العربي، ووصلت أعمالهم إلى أهم المعارض والمحافل الدولية.
لقد كانت كلية الفنون الجميلة بالإسكندرية، ولا سيما قسم التصوير، مصنعًا للمبدعين، وحاضنةً لمدرسة فنية متميزة تركت أثرًا واضحًا في تاريخ الفن المصري. وبين جدران هذا المبنى تشكلت تجارب إبداعية، ونشأت رؤى فنية، وتخرج أساتذة وفنانون أصبحوا جزءًا من ذاكرة الوطن الثقافية.
إن الدول التي تصنع المستقبل لا تبدأ بهدم تاريخها، بل تجعل من تراثها الثقافي ركيزة للتنمية. فكم من مبانٍ تاريخية في العالم تحولت إلى متاحف ومراكز للإبداع ومقاصد ثقافية وسياحية، بينما حافظت في الوقت ذاته على قيمتها التاريخية والإنسانية.
ولذلك، فإن أي قرار يتعلق بهذا المبنى ينبغي أن يسبقه حوار مجتمعي وعلمي تشارك فيه الجامعات، والمتخصصون في العمارة والتراث، والفنانون، والمؤسسات المعنية بالحفاظ على التراث، حتى لا يكون القرار خسارة لا يمكن تعويضها.
إن الاستثمار الحقيقي لا يكون في هدم الذاكرة، بل في استثمارها. فالمباني التي صنعت تاريخ الإبداع يمكن أن تظل تؤدي رسالتها إذا أُعيد تأهيلها وتطويرها، دون التفريط في قيمتها التاريخية.
إننا اليوم أمام اختبار حقيقي لمدى إيماننا بقيمة الثقافة والفنون. فهل ننتصر لذاكرة وطن أنجبت مبدعين حملوا اسم مصر إلى العالم، أم نسمح بأن تُمحى صفحة مضيئة من تاريخ الفن المصري؟
إن الحفاظ على مبنى قسم التصوير بكلية الفنون الجميلة بالإسكندرية ليس دفاعًا عن مبنى، بل دفاع عن هوية، وعن تاريخ، وعن رسالة حضارية تؤكد أن الأمم العريقة لا تهدم ذاكرتها، وإنما تصونها وتورثها للأجيال القادمة.



