حين قادتني الصدفة إلى جبال الذهب
بقلم : أميرة قطب
قادتني الصدفة إلى رحلة قصيرة، لكنها كانت من أغرب الرحلات التي عشتها وأكثرها إثارة للتأمل، رحلة رأيت خلالها أشياء بعيني، ولو رواها لي أحد من قبل ربما ما صدقتها.
كانت البداية في مدينة مرسى علم 2022 ، تلك المدينة الساحلية الساحرة التي تمتزج فيها زرقة البحر بجمال الطبيعة وصفاء الأجواء. ذهبت إليها طلبًا للراحة والاستجمام، لكن الرحلة تحولت لاحقًا إلى تجربة مختلفة تمامًا، دفعتني للتفكير في جانب آخر من مصر لا يعرفه الكثيرون.
وأثناء الطريق إلى مرسى علم، مرورًا بسفاجا ثم القصير، استوقفتني طبيعة الحياة في تلك المدن، بدت مختلفة عن المدن الساحلية التي اعتدناها؛ عمران أقل، وحياة أكثر بساطة، وبيئة ما زالت تحتفظ بالكثير من ملامحها القديمة. تساءلت حينها: لماذا يصر أهل هذه المناطق على العيش وسط هذه الطبيعة القاسية نسبيًا، رغم وجود مدن أكثر تطورًا وحيوية مثل الغردقة شمالًا ومرسى علم جنوبًا؟
في البداية ظننت أن الأمر مجرد ارتباط بالمكان وتراثه البحري العريق، ورغبة من السكان في الحفاظ على هويتهم الأصيلة. … لكنني لم أكن أعلم أن ما ينتظرني لاحقًا سيمنحني منظورًا مختلفًا تمامًا.
بعد ثلاثة أيام في مرسى علم، قررت بشكل مفاجئ التوجه إلى أسوان ومنها إلى النوبة ، إلا أن تعطل الرحلات الجوية في تلك الفترة دفعني إلى اختيار الطريق البري ، حيث نصحني العاملون بالفندق باستقلال سيارة ميكروباص متجهة إلى كوم أمبو، ومنها يمكنني مواصلة الرحلة إلى أسوان بالقطار.
حذرني الجميع من مشقة الطريق، لكن لم يكن لدي خيار آخر.
انطلقت السيارة تشق طريقها وسط جبال الصحراء الشرقية الشاهقة، ساعتان أو أكثر قضيناهما تقريبا بين جبال تتدرج ألوانها بين الأحمر والأسود، وبين وديان ممتدة إلى ما لا نهاية. كانت الطبيعة مهيبة إلى حد يجعل الإنسان يشعر بضآلته أمام هذا الاتساع الهائل.
ومن الصدف ايضاً أنني كنت أجاور السائق الذي لاحظ اننا اغراب فرفض جلوسنا في الكراسي الخلفية .
سألت السائق: كيف تعتادون السير في هذه الطرق الوعرة يوميًا؟
ابتسم وقال ببساطة:
“اتعودنا عليها”
ثم سألته:
“وإذا تعطلت السيارة هنا؟”
ضحك مجددًا بصوت عال وأجاب:
“ننتظر مرور سيارة أخرى، ينقل سائقها الخبر إلى كوم أمبو، ثم يعود أحدهم للمساعدة أو لإحضار فني إصلاح. وقد يستغرق الأمر ساعات طويلة، وربما يومًا كاملًا.”
كانت الإجابة صادمة بالنسبة لي، فلا شبكات اتصال ، ولا خدمات قريبة، ولا مظاهر للحياة المدنية التي اعتدناها.
وخلال الطريق لم استطع التوقف عن الاسئلة التي من الأساس بحكم مهنتي اخترت تلك الرحلة للهروب منها قليلا لكن الواقع الذي عايشته فرض علي مزاولة المهنة فسألته عن سبب ندرة المرافق والخدمات، فأوضح لي أن المنطقة تضم مواقع أثرية وثروات معدنية مهمة، وأن هناك ضوابط خاصة تحكم طبيعة الأنشطة المسموح بها داخل أجزاء واسعة من تلك الصحراء، منها ممنوع الحفر والتنقيب والمبيت والتواجد فقط لافراد الجيش المتواجدين حول وداخل تلك الجبال الشاهقة .
وقبل الوصول إلى كوم أمبو توقفنا في استراحة صغيرة على الطريق. هناك رأيت مشهدًا بدا وكأنه خارج من زمن آخر؛ بضعة طاولات خشبية يعرض عليها الباعة المياه والعصائر والمأكولات البسيطة، وحمامات بدائية، وآثار لأنصاف حوائط للمصري القديم متناثرة في المكان. كانت البساطة الشديدة هي السمة الغالبة على كل شيء، خاصة وان هؤلاء الباعة ملتزمون بمغادرة المكان مع غروب الشمس مع الامتناع عن استخدام المواقد والكهرباء واستخدام مياه جوفية فقط …انتظرت قليلا ثم انطلقت السيارة لاستكمال الرحلة .
في تلك اللحظة بدأت أفهم أن الصحراء الشرقية ليست مجرد فراغ جغرافي شاسع، بل عالم كامل له قواعده الخاصة وطبيعته المختلفة.
ومع مرور الأيام، عاد إلى ذهني ما أثير مؤخرًا حول منطقة منجم إيقات للذهب، وما ارتبط بها من حديث عن التعدين غير الشرعي والتنقيب العشوائي في بعض المناطق الصحراوية.
وهنا يبرز سؤال مهم: من هم الدهابة؟
الحقيقة أن الإجابة الدقيقة تظل مسؤولية الجهات الرسمية المختصة، لكن المؤكد أن ظاهرة التنقيب غير الشرعي عن الذهب ليست جديدة، فامتداد الصحراء الشرقية، بما تحتويه من جبال ووديان وعروق معدنية غنية، جعلها هدفًا للعديد من الباحثين عن الذهب، سواء من أبناء المناطق القريبة أو من الوافدين من مناطق أخرى.
وتزداد صعوبة المواجهة بسبب الطبيعة الجغرافية القاسية للمكان؛ مساحات شاسعة، وطرق وعرة، وجبال متشابكة، وظروف معيشية لا تحتملها إلا فئات اعتادت العمل في مثل هذه البيئات.
وتضم الصحراء الشرقية عددًا من أهم مناطق التعدين في مصر، من بينها منجم السكري، ومنجم إيقات، ومنجم البرامية، ومنجم عتود، إلى جانب مناطق حلايب وشلاتين ووادي العلاقي وحفافيت وغيرها من المواقع التي عُرفت تاريخيًا باحتوائها على ثروات معدنية مهمة.
وربما كانت المفارقة الأكبر في هذه الرحلة أنني خرجت أبحث عن جمال البحر، فاكتشفت عالمًا آخر من الجمال والخشونة في آن واحد؛ عالم الجبال الصامتة التي تخفي في أعماقها تاريخًا طويلًا وثروات هائلة، وما زالت حتى اليوم تحتفظ بالكثير من أسرارها.
لقد أدركت وقتها أن الصحراء الشرقية ليست مجرد طريق يربط بين مدينتين، بل حكاية كاملة عن الجغرافيا والتاريخ والثروة والسيادة، وعن مناطق لا يعرفها كثيرون رغم أنها تمثل جزءًا بالغ الأهمية من قلب مصر .
فهناك مصر أخرى بعيدة عن الشواطئ والفنادق والمنتجعات.
مصر الجبال الصامتة.
مصر الوديان التي لا تنتهي.
مصر التي تخفي تحت صخورها ثروات لا تُرى بالعين المجردة.
مصر التي تبدو قاسية لمن يمر بها عابرًا، لكنها تكشف لمن يتأملها أنها ليست مجرد صحراء، بل سجل مفتوح للجغرافيا والتاريخ والسيادة والثروة.
وحين غادرت المكان، لم أعد أنظر إلى تلك الجبال كما رأيتها أول مرة.
في البداية رأيتها صخورًا صامتة.
أما في النهاية، فقد رأيتها حراسًا يقفون فوق كنوز عمرها آلاف السنين.


