لقاء خاص| الفنان محمود عثمان: رميت الاستقالة واخترت الفن.. والرسم كان بوابتي للتماسك في ”الجيش”
الفنان محمود عثمان
حوار:سمراءالميزان
> من قلب المعاناة يولد الإبداع، ومن تفاصيل الخدمة العسكرية وضغوط الحياة تولد حكايات تستحق أن تُروى. ضيفنا اليوم هو فنان شاب شق طريقه بأصابعه الخمسة وسط أشواك التشكيك والإحباط. من محافظة الغربية (زفتى)، وتحديداً من التعليم الفني الذي ينظر إليه البعض بنظرة قاصرة، خرج ليعلن أن الموهبة لا تحكمها شهادات، بل يحكمها الإصرار.
> التقينا بالفنان *محمود محمد عثمان* (26 عاماً)، ليحدثنا عن رحلته من المطبخ العالمي، مراراً بـ "سكتشات الجيش" على ورق النتيجة، وصولاً إلى منصات المعارض التشكيلية ورؤيته الفنية الخاصة. وإلى نص الحوار:
**البدايات والتعليم.. مواجهة النظرة المجتمعية.
**س: في البداية، من هو محمود عثمان؟ وكيف كانت محطة التعليم في حياتك؟**
أنا محمود محمد عثمان، عمري 26 سنة، من مدينة زفتى بمحافظة الغربية. حاصل على دبلوم ثانوي صناعي (قسم كهرباء). بسبب ظروف خاصة جداً وصعبة، لم أتمكن من إكمال التعليم الحكومي الأكاديمي، لكنني لم أستسلم؛ فعوضاً عن ذلك استغللت فترة الخدمة العسكرية في تطوير نفسي ذاتياً، وحصلت على كورسات في اللغة الإنجليزية من منصة (edx)، وكورسات تنمية بشرية من منظمة الـ "unicef"، بالإضافة إلى كورس (The Science of Well-Being).
**س: ذكرت أنك خريج "دبلوم صنايع"، وهناك نظرة مجتمعية نمطية تجاه هذا التعليم.. كيف أثرت عليك ومن ساندك لتغيير هذه الصورة؟*
المجتمع أحياناً يرى طلاب "الصنايع" كأشخاص جهلاء لمجرد أنهم لم يلتحقوا بالثانوية العامة. لكن في مدرستي "الصناعية الميكانيكية بنين بزفتى"، كانت هناك سيدة عظيمة بمثابة الأم لنا جميعاً، وهي الدكتورة **منال سيد أحمد** (مديرة وحدة تكافؤ الفرص آنذاك) – وما زلت أحفظ اسمها ولقبها تقديراً لها. هذه السيدة آمنت بنا وجمعت فريقاً من الموهوبين من قلب هذا المكان؛ ومن هذا الفريق اليوم بطل عالم في كمال الأجسام، ومصور فوتوغرافي شهير، وآخرون أكملوا طريقهم ودخلوا كليات الهندسة. لقد كانت نقطة تحول حقيقية.
**"سكتشات الجيش" والهروب إلى القراءة.
**س: نأتي لفترة الجيش، وهي محطة محورية في حكايتك. كيف تحول الرسم والقراءة إلى طوق نجاة لك؟*
كنت شغوفاً بالقراءة جداً، ليس فقط للتثقيف، بل للهروب من الضغط النفسي المصاحب لفترة الجيش. كنت أستغل الإجازات للنزول إلى "رصيف الأزبكية" لشراء كتب إحسان عبد القدوس، صلاح عبد الصبور، أحمد رامي، طه حسين، أبو الطيب المتنبي، والجاحظ وغيرهم. أما الرسم، فقد كان العامل الأقوى الذي جعلني أتماسك وأهون على نفسي الغربة والضغط.
**س: ما هي قصة "ورق النتيجة" التي أعادتك للرسم داخل مركز التدريب؟*
(يبتسم) لن أنسى تلك اللحظة؛ كنت في مركز التدريب ورأيت عسكرياً زميلاً يمسك بورق نتيجة كبير الحجم. في تلك اللحظة شعرت وكأنني طفل صغير يذهب للملاهي لأول مرة! فرحة عارمة كلما تذكرتها أفرح، لأنها تعني أنني سأتمكن من الرسم مجدداً في هذا الظرف القاسي. رسمت بالقلم الجاف على ورق النتيجة؛ رسمت العنبر، المصحف، يدي، وظلي وأنا واقف في الخدمة ليلاً.
**س: أطلقت رسم (#سكتشات_الجيش) عبر حسابك، ما الذي وثقته من خلاله؟*
كنت أعود في كل إجازة بمخزون فني كبير وأرفعه في بوست تحت هذا الاسم. رسمت روايات، وصوراً شعرية من دواوين أصدقائي. حتى المواقف اليومية وثقتها؛ مثل اللحظة التي نسيت فيها ملعقتي وصنعت واحدة من "علبة كانز"، ورسمت الغروب الذي مُنعت من تصويره لأن الهواتف محظورة هناك، ورسمت حتى الكلاب التي كانت تحرس مكاني ليلاً وتسلل البعض لتسميمها. رسمت الكثير جداً.
**أصحاب الأصابع الخمسة ومحاولات التحطيم.
**س: كتبت الشعر أيضاً، فلماذا انتصرت الفرشاة في النهاية؟*
كنت من رواد قصور الثقافة والمكتبات العامة حباً في الثقافة والكُتّاب. كتبت الشعر بالفعل، لكنني شعرت في النهاية أنني أستطيع وصف الكلمة وتجسيدها بطريقة أفضل وأعمق عن طريق الفرشاة والألوان. الرسم بدأ معي كأي شخص؛ تحاول، وتجرب، وتتوقف. لكني كنت أعتبر الفن بوابة لعالم آخر، وكنت أسمي الرسامين دائماً بـ "أصحاب الـ 5 أصابع"
لأن الفرشاة ملازمة لأيديهم دائماً ويعبرون بها أفضل من الكلام.
**س: واجهت الكثير من الإحباطات والكلام السلبي، كيف تعاملت مع محاولات "حرق" حلمك؟*
نعم، تمسكت بالرسم بأيدي وأسناني رغم السلبية الكبيرة التي تلقيتها من ناس مقربين جداً. وصل الأمر إلى حد "حرق رسوماتي" لإجباري على التوقف! سمعت الكثير من الأحكام الجائرة مثل: "الرسم رفاهية وتفاهة" أو "أنت فاشل". لكن حلم حياتي كان دائماً أن أرسم وجوهاً بنسب تشريحية صحيحة، وأن أتمكن من دمج وإخراج درجات البشرة بشكل ممتاز.
**الهوية الفنية والارتباط بالخامات.
**س: لكل فنان مدرسة تلهمه وخامات يفضلها، أين يجد محمود نفسه فنياً؟*
المدرسة الفنية الأكثر تأثيراً فيّ حتى الآن هي ما بعد الانطباعية (Post-Impressionism) وتحديداً روادها مثل "فينسنت فان جوخ" و"بول غوغان". أما بالنسبة للخامات، فأنا لست قادراً على ترك الرصاص والفحم والخشب عموماً، فبيننا ارتباط وثيق، لكني في الوقت نفسه متعلق بخامة "الأكريليك" منذ عدة سنوات، وخلال الفترة القادمة سأتشجع وأقتحم عالم الرسم بـ "الزيت".
**من مطابخ "Rixos" إلى حرية الفن.
**س: بعد انتهاء فترة الجيش، أخذتك الحياة إلى مسار مهني مختلف تماماً وهو "المطبخ".. كيف جاءت هذه الخطوة؟*
بعد الجيش لم أكن أعلم ماذا سأفعل؛ هل أعود للسياحة أم أعمل بدراستي في الكهرباء؟ هنا رشح لي صديقي المقرب "كريم طارق" أن أعمل معه في المطبخ. ولأنني كنت متعلقاً بالمطبخ وأحبه بسبب والدتي، وافقت ودخلت هذا المجال لمدة 4 سنوات تقريباً. تنقلت فيها بين مرسى علم والغردقة، وصولاً إلى أكبر الفنادق والشركات في مصر مثل فندق (Rixos) في شرم الشيخ. كنت ناجحاً جداً وتطورت بسرعة.
**س: إذاً، لماذا قررت فجأة ترك هذا النجاح والاستقالة؟*
ككل "الفنانين المجانين" (يضحك)، أنا لا أحب التقييد، الأوامر، أصحاب السلطة، التحكم، ونظام الشغل "الميري". قلت لنفسي: "هي موتة ولا أكتر؟ No Risk No Fun" (لا متعة بلا مخاطرة). رميت الاستقالة على المكتب، وقررت التخطيط لتعلم الفن واحترافه كمهنة ومصدر دخل ليكبر اسمي. قمت بعمل دراسة جدوى مستفيضة، وأخذت "تحويشة العمر" وبدأت التنفيذ الفعلي منذ 3 أشهر فقط؛ جمعت مقررات تعليمية أكاديمية أجنبية وطبعتها، وبدأت أتعلم الأساسيات من الصفر؛ أتدرب، أسأل، أجرّب، وأفشل كثيراً ثم أعود للمحاولة.
**رؤية المعرض الفردي.. ولغة الفن العالمية.
**س: تشارك اليوم في معرض جماعي بعد غياب 4 سنوات، وجاءك إشعار من الفيسبوك يذكرك بـ "محمود الشيف".. ماذا شعرت في هذه المقارنة؟*
اليوم كان مميزاً جداً لمشاركتي في المعرض بعد 4 سنوات من الغياب عن الساحة. بالصدفة، أرسل لي الفيس بوك إشعاراً بصورة قديمة لي وأنا أرتدي ملابس "الشيف" وأجهز بوفيه جميلاً وأنا أبتسم من قلبي. قمت بالمقارنة بين فرحتي في تلك الصورة وفرحتي اليوم كفنان مشارك في معرضي؛ ووجدت أن فرحة اليوم انتصرت.. *لقد كسبت نفسي في النهاية.*
اليوم اسمي ليس منتشراً بشكل كبير بعد، لكني بدأت بالفعل في بيع لوحاتي، وهذا بتوفيق من ربنا ودعم المخلصين.
**س: هل بدأت التفكير في إقامة معرضك الفردي الأول؟ وما هي الفكرة التي تحلم بتقديمها؟*
بالتأكيد فكرت في معرضي الفردي، وبدأت بالفعل أهيئ نفسي لذلك نفسياً وفنياً. لكن الأهم عندي في هذه المرحلة هو أن أتعرف بشكل أوسع أولاً، وأن يعرف الناس من هو محمود عثمان.
أما الفكرة التي أحلم بها، فهي أن أتمكن من تجسيد القصص التي تدور داخل كل شخص؛ من عامة الشعب البسيط، وحتى أصحاب "البذلات السوداء". الفن بصفة عامة لغة تُفهم وتُقرأ بسهولة؛ قد لا أتقن اللغة الروسية مثلاً، لكني لو وقفت أمام لوحة لفنان روسي سأفهم تماماً ما يريد قوله، حتى لو كانت اللوحة سريالية أو تجريدية. لذلك، كل ما أتمناه في الفترة القادمة هو أن أكتشف نفسي أكثر.
**رسالة من واقع التجربة.
**س: في نهاية حوارنا، ما هي النصيحة التي توجهها للشباب الذين يمرون بظروف مشابهة أو يمتلكون شغفاً يخشون اتباعه؟*
على الرغم من كل ما مررت به، إلا أنني لا أرى نفسي في مرحلة تسمح لي بنصح الشباب؛ فالنصح مسؤولية كبيرة لو تم اتباعه سيحدث ضجة وحركة، لذا أخشى النصح المباشر. لكن، نقلاً عن تجربتي الشخصية، أحب أن أقول لأي شخص لديه حلم أو شغف يريد تحقيقه: "توكل على الله، لأن حياتك لن يعيشها أحد غيرك، ولن ينجح أحد بدلاً منك. افعل ما تحبه.. أنت حر ما لم تضر".