الخميس 18 يونيو 2026 08:27 مـ 2 محرّم 1448هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

ثقافة

الكتب وسيلة لعبور الجبال والبحار: معرض بكين الدولي للكتاب يفتح فصلا جديدا في التبادلات الثقافية بين الصين والدول العربية

بقلم جميلة ما شياو جينغ-إعلامية صينية

في السابع عشر من يونيو 2026، انطلقت فعاليات الدورة الثانية والثلاثين لمعرض بكين الدولي للكتاب في مركز المؤتمرات الوطني ببكين. وبالنسبة لمجتمع النشر العالمي، لا يعد هذا الحدث مجرد احتفالية لتبادل حقوق النش، بل يمثل محطة ذات دلالة تاريخية خاصة، إذ يحتفل المعرض هذا العام بمرور أربعين عاماً على تأسيسه. فمنذ انطلاقته الأولى في عام 1986 وصولا إلى مكانته الحالية كواحد من أكبر ثلاثة معارض للكتب في العالم، يجسد مسار تطور معرض بكين الدولي للكتاب صورة مصغرة للتفاعل الحضاري بين الصين ومختلف ثقافات العالم. وخلال هذا التاريخ الطويل، انتقلت الدول العربية من موقع "الضيف القادم من بعيد" إلى موقع "الشريك المحوري"، لتصبح إحدى أكثر القوى الحضارية حضوراً وحيوية في تاريخ المعرض الممتد على مدى أربعة عقود
بصفتها ضيف الشرف لهذه الدورة، لم تكتفِ دولة الإمارات العربية المتحدة بإبراز الإرث الثقافي العريق لمنطقة الخليج تحت شعار «بيت الإمارات»، بل قدمت نموذجاً مبتكراً للمشاركة من خلال تصميم ثلاثي الأبعاد يقوم على مفهوم «منصتين ووظيفتين». ففي حين خُصص الجناح الرئيسي في الطابق الأول لعرض الثقافة التقليدية والتجارب الفنية، جرى تخصيص مساحة العرض في الطابق السفلي لتكون منصة لتجارة حقوق النشر والتعاون الصناعي. ويعكس هذا التوزيع الوظيفي للمساحات التحول الذي يشهده التعاون الصيني العربي في مجال النشر، من مجرد عرض ثقافي إلى شراكة صناعية أكثر عمقاً واتساعاً.
ومن أبرز ابتكارات المعرض هذا العام التوسع النوعي في الفعاليات المصاحبة، وفي مقدمتها «أسبوع بكين الدولي للأدب». فقد تجاوزت النسخة الجديدة من الأسبوع حدود قاعات العرض التقليدية، لتجعل الأدب حاضراً في المعالم الثقافية والمكتبات والأماكن العامة في العاصمة الصينية، عبر سلسلة من الأنشطة المتنوعة، من بينها «برنامج استكشاف الكتاب لمدينة بكين» و«استكشاف بكين – الجولات الأدبية».
ويقوم هذا التوجه على فكرة كسر الحواجز بين الأدب والمدينة، ونقل التبادل الأدبي الدولي من إطار المنتديات الأكاديمية المتخصصة إلى فضاءات الحياة اليومية. ومن خلال هذا النموذج المبتكر، لم يعد الحوار الفكري بين الكُتاب الصينيين والأجانب محصوراً داخل المركز الوطني للمؤتمرات، بل امتد ليشمل المشهد الثقافي والأدبي في مختلف أنحاء بكين.
وعند استعراض مسيرة المعرض خلال العقود الأربعة الماضية، يتضح أن التبادل الصيني العربي في مجال النشر حقق نقلة نوعية من «تبادل المطبوعات» إلى «التقارب الفكري والروحي». فمنذ استضافة المملكة العربية السعودية كضيف شرف للمرة الأولى عام 2013، توالت مشاركات عربية بارزة شملت الإمارات العربية المتحدة والمغرب والجزائر وغيرها من الدول. ويشهد هذا العام عودة الإمارات للمرة الثانية بصفتها ضيف الشرف، في دلالة واضحة على عمق العلاقات الثقافية المتنامية بين الجانبين.
ويتجلى هذا التقارب في سلسلة من الإنجازات الملموسة. فقد نجح «مشروع ترجمة ونشر الأعمال الكلاسيكية الصينية والعربية»، الذي انطلق عام 2008، في إنجاز ترجمة الدفعة الأولى المكونة من خمسين عملاً كلاسيكياً. كما تشير البيانات الرسمية إلى أن حجم تجارة حقوق النشر بين الصين والدول العربية حافظ خلال السنوات الأخيرة على مستوى مرتفع بلغ نحو ألفي بند سنوياً، بما يمثل قرابة 10% من إجمالي تجارة حقوق النشر الخارجية للصين.
وفي الوقت نفسه، أسهمت مؤسسات متخصصة، من بينها مجموعة «بيت الحكمة» الدولية في نينغشيا، في ترجمة أكثر من ألف كتاب صيني إلى اللغة العربية، بما أرسى منظومة متكاملة تمتد من الترجمة إلى النشر ثم التوطين الثقافي.
وخلال «صالون السفراء» الذي أقيم ضمن فعاليات معرض بكين الدولي للكتاب وحظي باهتمام واسع، دار حوار معمق تحت عنوان «ولادة عمل: حوار في عالم متعدد اللغات». وجمع اللقاء الكاتب الصيني ليو تشن يون مع مترجمي أعماله وعدد من علماء الصينيات، ومن بينهم المترجم المصري أحمد السعيد.
وركز الحوار على فكرة محورية مفادها أن اكتمال حياة العمل الأدبي لا يتحقق إلا عبر الجهد المشترك بين الكاتب والمترجم. وقد استعرض ليو تشن يون كيف أسهمت ملاحظات القراء المنتمين إلى خلفيات ثقافية مختلفة في إثراء تجربته الإبداعية، فيما ناقش علماء الصينيات من بلدان متعددة آليات «إعادة الإبداع» التي ترافق عملية الترجمة الأدبية.
ويمثل هذا النوع من التواصل، الذي ينتقل بالأدب من «الورق» إلى «القلب»، امتداداً للمشهد الجديد الذي تجسده أيضاً منصة النشر الرقمي، وجناح النشر الإلكتروني المشترك، ومنطقة ترخيص الملكية الفكرية التي استُحدثت للمرة الأولى في المعرض هذا العام. وتقدم هذه المبادرات مجتمعة صورة متكاملة لآفاق التبادل الثقافي الصيني العربي في عصر النشر الرقمي.
وانطلاقاً من منصة التبادل الرقمي التي يوفرها المعرض، يُتوقع أن تشهد العلاقات الثقافية بين الصين والدول العربية مزيدا من اتفاقيات التعاون العملي في مجالات تطوير المحتوى الرقمي، وتجارب القراءة التفاعلية، وإدارة حقوق الملكية الفكرية. كما يُؤمل أن ينتقل التعاون الثقافي الثنائي من مرحلة الترجمة والنشر الورقي التقليدي إلى مرحلة أكثر تطوراً تقوم على التقنيات الرقمية والحوسبة السحابية وتكامل الوسائط المتعددة.
واليوم، ومع الوقوف عند محطة جديدة في الذكرى الأربعين لتأسيس معرض بكين الدولي للكتاب، يواصل التبادل الصيني العربي في مجال النشر عبور الجبال والبحار بعمق واتساع غير مسبوقين، متخذاً من الكتاب جسراً للحوار والتواصل. فمن الحضور اللافت لدول ضيف الشرف إلى بناء منظومة رقمية متكاملة، تسجل كل محطة جديدة خطوات الحضارتين في مسيرة التعلم المتبادل والتنمية المشتركة.
ولا يفتح هذا النموذج من التعاون، القائم على تنوع الوسائط وتعدد أشكال التفاعل الثقافي، آفاقاً واسعة أمام قطاع النشر الصيني العربي خلال العقد المقبل فحسب، بل يضخ أيضاً زخماً ثقافياً مستداماً في مسيرة بناء مجتمع ذي مصير مشترك للبشرية، عبر قوة الكتاب وقدرته الدائمة على وصل الشعوب والثقافات.

معرض بكين الدولي للكتاب الدول العربية الصين