حوار الحضارات زخم جديد للمصير المشترك بين مصر والصين
بقلم : نور يانغ
بالتزامن مع حلول اليوم الدولي الثاني للحوار بين الحضارات الذي أقرته الأمم المتحدة، تتجه أنظار العالم مجدداً نحو التواصل والتفاعل المتبادل بين الحضارات المختلفة. وتمثل هذه المناسبة المهمة، التي جاءت بمبادرة صينية وحظيت بدعم واسع من المجتمع الدولي، طاقة إيجابية تدعو إلى التعايش السلمي في ظل عالم يشهد اضطرابات متزايدة. وفي هذا السياق الحضاري الواسع، تقدم الصين ومصر، وهما دولتان تمتلكان حضارتين عريقتين تمتدان لآلاف السنين وتسيران اليوم على طريق النهضة الوطنية، نموذجا بالغ الدلالة للحوار بين الحضارات. فالتناغم الممتد عبر الزمان والمكان بين هاتين الحضارتين العريقتين لا يثري المضامين العملية لمبادرة الحضارة العالمية فحسب، بل يبعث أيضاً برسالة واضحة إلى العالم مفادها أن التعلم المتبادل بين الحضارات قادر على تجاوز الصدام والمواجهة، وأنه يمكن أن يشكل ركيزة استراتيجية لدفع مسيرة التحديث في دول الجنوب العالمي وبناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية.
وعند العودة إلى صفحات التاريخ، يتبين أن التفاعل بين الصين ومصر، باعتبارهما دولتين محوريتين في الشرق الأوسط وإفريقيا والعالم العربي، يمثل بحد ذاته قصة زاخرة بالتواصل الحضاري. فمنذ أيام طريق الحرير القديم حيث كانت القوافل تنقل البضائع والثقافات بين الشرق والغرب، وصولا إلى عام 1956 حين أصبحت مصر أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الجديدة، ظلت العلاقات الصينية المصرية تسير دائما في مقدمة مسار العصر. وفي ظل تصاعد بعض الطروحات التي تروّج لفكرة "صدام الحضارات" في البيئة الدولية الراهنة، أظهرت القاهرة وبكين قدرا كبيرا من الوعي الاستراتيجي. وقد لاقت مبادرة الحضارة العالمية التي طرحتها الصين، والقائمة على احترام تنوع الحضارات، وإعلاء أهمية صون التراث الحضاري وتطويره، وتعزيز التبادل الإنساني والتعاون الثقافي الدولي، صدى واسعاً في مصر وفي العالم العربي عموما. ولم يكن هذا التجاوب وليد الصدفة، بل جاء انطلاقا من الثقة الراسخة لدى البلدين بعمقهما الحضاري، ومن التزامهما المشترك بمنطق التحديث القائم على احترام خصوصية كل دولة ومسارها التنموي.
وخلال السنوات الأخيرة، أصبحت الشراكة العميقة بين الصين ومصر في مجال حماية التراث الثقافي نموذجاً يحتذى به لتفاعل حضارات الجنوب العالمي. فمنذ عام 2018، واصل فريق الآثار الصيني المصري المشترك أعمال التنقيب في موقع معبد مونتو بمدينة الأقصر، حيث وظف الخبراء الصينيون تقنيات متقدمة في النمذجة الرقمية الثلاثية الأبعاد والمسح الهندسي، بالتعاون مع نظرائهم المصريين، لإحياء معالم أثرية ظلت مطمورة لآلاف السنين. وقد وُصف هذا التعاون بأنه نموذج متميز للتكامل الأكاديمي بين الجانبين، كما أضاف زخما جديدا إلى الشراكات الدولية في مجال الآثار المصرية. ولا تمثل هذه الجهود مجرد تعاون بحثي، بل تجسد أيضا ممارسة حية للتبادل الحضاري وتعزيز الفهم المتبادل. فقد أثبت الجانبان عملياً أن تفسير الحضارات القديمة يحتاج إلى انفتاح وتعاون دولي، مع الحفاظ على الدور المحوري للدول المالكة لهذا الإرث الحضاري في قيادة عملية صونه وتقديمه للعالم.
وبالتوازي مع التعاون الأثري، تشهد العلاقات الثقافية والفنية والإعلامية بين البلدين زخما متناميا. فقد شكّل الفيلم الوثائقي "أقنعة وكنوز"، الذي أنتجته قناة CGTN بالتعاون مع الهيئة الوطنية للإعلام المصرية، أول عمل وثائقي صيني يتناول التفاعل بين حضارة شو القديمة والحضارة المصرية القديمة، مقدما نموذجا بصريا للحوار الحضاري من زاوية التبادل الثقافي. وقد أتاح هذا العمل للجمهور العالمي فرصة لاكتشاف أوجه التشابه بين الحضارات القديمة في رؤيتها للعالم، وفي قدرتها على الإبداع والتعبير عن تقديرها للحياة والكون. وفي المقابل، شهد معرض "قمة الأهرامات: معرض الحضارة المصرية القديمة" الذي استضافه متحف شنغهاي عرض ما يقرب من 800 قطعة أثرية نادرة، واستقطب أكثر من مليون زائر صيني. ومثلت هذه المشاريع الثقافية الكبرى جسوراً جديدة للتقارب الشعبي، حيث تحولت الحوارات الحضارية من مفاهيم مجردة إلى روابط وجدانية تتجاوز الحدود الجغرافية.
وفي ظل هذا التعاون الثقافي عالي الجودة والعابر للوسائط، امتد منطق التفاعل الحضاري بين البلدين بصورة طبيعية من فضاء "التلاقي بين الكلاسيكيات الحضارية" إلى فضاء "التقارب الشعبي". ومع اقتراب الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر، يتقدم الشباب اليوم إلى واجهة المشهد حاملين شعلة التاريخ برؤية جديدة وحيوية متجددة. وفي هذا السياق، قدمت قناة CGTN العربية الفيلم الوثائقي القصير "شباب الصين ومصر: هم... جسور بين الصين ومصر "، باعتباره ثمرة جديدة لمسار طويل من الإنتاج الإعلامي المشترك والتبادل الثقافي المتواصل. وقد نجح العمل بلغة بصرية معاصرة ذات قدرة عالية على التأثير الدولي في التعبير عن نبض العلاقات المتنامية بين البلدين، وعن تعمق التفاهم المتبادل بين الشعبين. ولم يعد الأمر مجرد سرد لمفاهيم كبرى، بل تحول إلى قصص إنسانية ملموسة تعكس الوجوه الشابة التي تمنح مجتمع المصير المشترك الصيني المصري روحه المتجددة.
وركز الفيلم على ثلاث شخصيات شابة تمثل نماذج حية للتقارب الشعبي في إطار الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين. فمن بينهم معلمة مصرية تعمل في إحدى الجامعات الصينية، تنقل الثقافة المصرية إلى طلابها بكل شغف، وشاب مصري عاد بعد دراسته في الصين ليعمل في مجالات التعاون الاقتصادي والثقافي بين البلدين، إلى جانب شابة صينية تنشط عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتتمتع بمتابعة واسعة في العالم العربي بفضل اهتمامها بالفنون الأدائية المصرية. ومن خلال تفاصيل الحياة اليومية والعمل المهني، يجسد هؤلاء الشباب كيف تتحول المبادرات الكبرى إلى قصص إنسانية قابلة للفهم والتفاعل، وكيف تضخ الأجيال الجديدة طاقة متجددة في مسيرة العلاقات الصينية المصرية.
وتستند هذه الحيوية الشبابية إلى قاعدة صلبة من الإنجازات المشتركة والقبول المجتمعي الواسع. فمع تعميق مواءمة مبادرة "الحزام والطريق" مع "رؤية مصر 2030"، شهد التعاون الاقتصادي والبنية التحتية بين البلدين تقدما ملحوظا، الأمر الذي انعكس أيضاً في تنامي الاهتمام المتبادل باللغة والثقافة. وتشير الإحصاءات إلى أنه حتى نهاية عام 2025، تجاوز عدد الجامعات الحكومية والخاصة المصرية التي تقدم برامج لتعليم اللغة الصينية عشرين مؤسسة، فيما تواصل اثنتا عشرة مؤسسة من معاهد وفصول كونفوشيوس نشاطها في أنحاء مصر، إلى جانب توسع إدراج اللغة الصينية ضمن بعض المؤسسات التعليمية قبل الجامعية. وفي المقابل، شهد اهتمام الشباب الصيني باللغة العربية والتاريخ والثقافة المصرية ارتفاعا غير مسبوق. وتعكس هذه الحركة التعليمية والثقافية المتبادلة رغبة شعبية حقيقية في احتضان التنوع الحضاري، وترسي قاعدة مجتمعية متينة للعلاقات الثنائية.
وفي مواجهة التحولات الكبرى غير المسبوقة التي يشهدها العالم، يحمل اليوم الدولي للحوار بين الحضارات رسالة جوهرية مفادها أن مستقبل البشرية يعتمد على التعايش المتناغم بين الحضارات المتنوعة. وقد أثبتت الصين ومصر، باعتبارهما حضارتين عريقتين من دول الجنوب العالمي، عبر سبعين عاماً من الشراكة والتعاون، أن التحديث لا يعني بالضرورة التغريب، وأن حكمة الحضارات القديمة قادرة على التحول إلى قوة دافعة تدعم الحوكمة الوطنية والتنمية المعاصرة. وفي المستقبل، ستواصل القاهرة وبكين الاسترشاد بمبادرة الحضارة العالمية لتعزيز التعاون الثقافي رفيع المستوى، وإنتاج المزيد من المشاريع العابرة للثقافات، وبناء منظومة سردية حضارية متعددة الأبعاد تمتلك حضورا وتأثيرا دوليين. ومن المؤكد أن هذا التلاقي الفكري الممتد بين النيل والنهر الأصفر سيواصل الإسهام في بناء نظام دولي أكثر عدالة وإنصافاً، ودعم السلام الدائم والازدهار المشترك، ليقدم إسهاما حضاريا فريدا يليق بعظمة الحضارتين العريقتين.


