الثلاثاء 9 يونيو 2026 03:48 مـ 23 ذو الحجة 1447هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

آراء وكتاب

دار الإفتاء المصرية من المنهجية السياقية إلى المواجهة الرقمية

تُعد دار الإفتاء المصرية واحدة من أقدم وأهم المؤسسات الدينية الرسمية في العالم الإسلامي، وتمثّل المرجعية الأساسية للفتوى في مصر. في ظل التحولات السياسية والاجتماعية والرقمية المتسارعة، صار تحليل خطاب هذه المؤسسة ضرورة لفهم كيفية تفاعل الديني مع الواقع المعاصر، خاصة مع اتساع الفضاء الإلكتروني واستغلال الجماعات المتطرفة له فيما يُعرف بـ"الجهاد الرقمي". ولنبدأ هذا التحليل من زاوية منهجية، ثم ننتقل إلى تطبيقاتها الرقمية، فالأهداف الاستراتيجية، ثم الأبعاد السياسية والاجتماعية، وأخيرًا القراءات النقدية التي تكشف الفجوة بين الانتشار والمصداقية.

أولاً: منهجية الخطاب بين التأصيل والتجديد – الأساس الذي تنبثق منه الاستراتيجيات

تشير الدراسات الأكاديمية إلى أن خطاب دار الإفتاء يعتمد منهجًا سياقيًا (Contextual Approach) يقوم على مقاصد الشريعة ومفهوم "المصلحة"، مما يتيح تكييف الفتاوى وفقًا لتغير الزمان والمكان. ففي دراسة نقدية حول تغير الفتاوى، تبيّن أن الدار تواكب المستجدات العصرية عبر آليات اجتهادية تبتعد عن الجمود الحرفي للنصوص. وكشفت أطروحة بحثية من جامعة هلسنكي (2024) عن آلية بناء خطاب فتاوى تنظيم الأسرة، حيث تتعامل الدار مع الحقوق الإنجابية والجنسية من خلال إعادة تأطيرها ضمن النماذج الفقهية الكلاسيكية للزواج، مما يعكس محاولة للتوفيق بين الثوابت والمتغيرات. وقد أكدت الدورات التدريبية التي تنظمها الدار هذا التوجه، إذ تركّز على "تحليل الخطاب تحليلاً علمياً رصيناً" وإتقان الصياغة اللغوية كأدوات لضبط الخطاب الإفتائي.

وانطلاقًا من هذه المنهجية السياقية، لم تكتفِ الدار بالتنظير، بل سعت إلى ترجمة مبادئها إلى أدوات عملية، وكان الفضاء الرقمي أبرز ميادين هذه الترجمة. فكيف تجسدت هذه المنهجية في استراتيجية رقمية لمكافحة التطرف؟

ثانياً: المواجهة الرقمية للفكر التكفيري – تجسيد المنهجية في استراتيجية "الجهاد الرقمي" المضاد

تقود دار الإفتاء المصرية جهودًا رقمية مكثفة لمكافحة التطرف وتفكيك الفكر التكفيري، حيث تتصدى لما يُعرف بـ"الجهاد الرقمي" وتواجه الجماعات الإرهابية في الفضاء الإلكتروني باستراتيجيات استباقية. وتتبلور هذه الجهود في حزمة متكاملة من الخدمات الإلكترونية:

1. بوابة دار الإفتاء الرسمية: تعمل كمرجعية إلكترونية معتمدة، وتضم قسمًا مخصصًا لتفنيد الفتاوى الشاذة والرد على مزاعم المتطرفين بشأن قضايا التكفير والولاء والبراء.
2. البث المباشر وصفحات التواصل الاجتماعي: تطلق الدار حملات توعوية تفاعلية، وتخصص فقرات بث مباشر يوميًا، وقد تجاوز متابعوها 17 مليونًا عام 2025.
3. تطبيقات الهواتف الذكية: مثل "فتوى برو" بلغات متعددة للوصول إلى الشباب عالميًا.
4. مركز "سلام" لدراسات التطرف: منصة رقمية وبحثية لرصد وتحليل الفكر المتطرف.
5. مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء الشاذة: آلية رصد إلكترونية تتبع وتفنّد خطاب الجماعات.

وهذه المنظومة الرقمية لم تأتِ بمعزل عن الأهداف الاستراتيجية للدار، بل تشكل الأداة الأكثر وضوحًا لتحقيق تلك الأهداف. فما هي هذه الأهداف، وكيف ترتبط بالمنظومة الرقمية؟

ثالثاً: توجّهات الخطاب وأهدافه الاستراتيجية – من الأدوات إلى الغايات

يُظهر تحليل مضامين الخطاب أن دار الإفتاء تركّز على ثلاثة محاور رئيسية تتكامل مع الأدوات الرقمية المذكورة:

1. تجديد الخطاب الديني: تُصر الدار على أن التجديد مسؤولية مجتمعية، وقد ترجمته عبر مبادرات رقمية وتدريبية.
2. محاربة التطرف: تشكّل الأدوات الرقمية (البوابة، المرصد، مركز سلام، التطبيقات) الركيزة الأساسية لهذا المحور.
3. تأكيد الهوية الوطنية: وفقًا لـ"المؤشر العالمي للفتوى"، فإن فتاوى المؤسسات الوطنية تعزز الهوية الوطنية بنسبة 100% مقارنة بفتاوى الجماعات المتطرفة.

وإذا كانت هذه الأهداف تبدو طموحة ومشروعة، فإن تطبيقها في الواقع يكشف عن تداخلات معقدة، خاصة عندما ننتقل إلى البعدين السياسي والاجتماعي، حيث يصبح الخطاب أداة في سياقات أوسع.

رابعاً: الأبعاد السياسية والاجتماعية لخطاب الدار – حيث يلتقي الديني بالواقعي

البعد السياسي: جهود متضافرة لدعم الوطن وتعزيز الوحدة الوطنية

يتجلى البعد السياسي لخطاب دار الإفتاء في جهودها المتضافرة لدعم الدولة المصرية، وتوطيد العلاقات الوطنية، والوقوف بجانب الوطن، والحفاظ على وحدة الشعب وسلامة أراضيه. فدار الإفتاء تؤكد باستمرار على وجوب طاعة ولي الأمر، ودعم قرارات الحكومة والدولة، وتعمل على ترسيخ مبدأ المواطنة وتعزيز الاستقرار الداخلي. وقد ظهر ذلك جليًا في فتاوى الدار التي تؤكد حرمة التخريب والتظاهر غير المشروع، وتحذر من الفتن الطائفية، وتدعم الإجراءات الرسمية في حفظ الأمن القومي. كما تسهم الدار في توطيد العلاقات الخارجية من خلال مبادراتها الدولية وفتاويها التي تدعو للتعايش السلمي واحترام قوانين الدول، مما يعكس رؤية وطنية جامعة تحرص على وحدة الصف ومكانة مصر الإقليمية والدولية.

البعد الاجتماعي: قضايا المرأة

تشير إحدى القراءات النسوية لفتاوى الدار إلى أنها تندرج ضمن فئة "الخطاب المُعاد إنتاجه"، مما يستدعي تحليلاً نقديًا لمعرفة كيفية تناولها لحقوق المرأة الاقتصادية والأدوار الاجتماعية. فبينما تسعى الدار إلى تقديم فتاوى تراعي الواقع، يرى بعض المحللين أنها لا تزال محكومة بمنظومات كلاسيكية تحد من قدرتها على تقديم قراءة تحررية كاملة. ولكن الأهم من هذه الملاحظات الجزئية هو السؤال الذي تفرضه القراءة الشاملة: لماذا، رغم كل هذه الجهود الرقمية والمنهجية، لا تزال هناك فجوة بين ما تقدمه الدار وثقة الجمهور بها؟

خامساً: القراءات النقدية – الفجوة بين الانتشار الرقمي والثقة الجماهيرية

هنا يبرز التناقض الأكثر إثارة للانتباه: رغم أن الدار تمتلك أدوات رقمية متقدمة وجماهيرية رقمية ضخمة (17 مليون متابع)، فإن استطلاعات الرأي تُظهر أن 46% من المصريين لا يثقون في فتاوى الدار (دراسة المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام، 2020). فكيف نفسر هذه الفجوة؟ يمكن تلمس الأسباب في إشكاليتين رئيسيتين، وهما امتداد طبيعي للنقاط السابقة:

1. التناقض بين الانتشار والمصداقية: الإقبال الرقمي لا يعادل الثقة، خاصة عندما يرى الجمهور تناقضًا - في تصورهم - بين فتاوى الدار ومواقفها من قضايا راهنة، أو عندما يكون هناك شعور بأن الخطاب الإفتائي لا يعبر دائمًا عن تطلعاتهم الفردية.
2. الإشكالية المنهجية: رغم التجديد المعلن، يرى بعض الباحثين أن الدار لا تزال أسيرة الإطار الفقهي التقليدي، وأن الأدوات الرقمية، رغم تطوّرها، تنقل خطابًا تقليديًا أكثر مما تحدث نقلة نوعية في المضمون، خاصة في قضايا الحريات الفردية وحقوق الأقليات.

وهاتان الإشكاليتان، مجتمعتين، تؤديان إلى نتيجة محورية: الريادة الرقمية وحدها لا تصنع المصداقية، ولا بد من تطوير منهجي أعمق ومزيد من التواصل الشفاف مع الجمهور.

خاتمة: بين الريادة الرقمية وأزمة المصداقية – أين تقف دار الإفتاء؟

إذا استعرضنا مسار التحليل، نجد أن دار الإفتاء المصرية نجحت في بناء منهجية سياقية للتجديد، وترجمتها إلى أدوات رقمية متطورة (بوابة، تطبيقات، مرصد، مركز سلام)، وسخّرتها لتحقيق أهداف استراتيجية (تجديد، مكافحة تطرف، تعزيز هوية وطنية)، كما أظهرت التزامًا سياسيًا واضحًا بدعم الدولة والوحدة الوطنية. لكنها، في الوقت نفسه، تواجه فجوة بين انتشارها الرقمي الواسع ومستوى الثقة الجماهيرية، وهو ما يتطلب مراجعة نقدية ذاتية وتطويرًا مستمرًا لمناهج الإفتاء والتواصل.

الخلاصة أن الدار تُظهر نموذجًا رائدًا في توظيف التكنولوجيا لمكافحة "الجهاد الرقمي" وفي ترسيخ دورها الوطني، لكن التحدي الأكبر يبقى في تضييق الفجوة بين الجماهيرية الرقمية والثقة النوعية من خلال الشفافية والاجتهاد المتجدد. فإذا نجحت في ذلك، قد تتحول إلى نموذج عالمي للمؤسسات الدينية الرسمية. أما إذا استمرت الفجوة، فستظل أدواتها الرقمية مجرد واجهة لخطاب يحتاج إلى مزيد من التطوير ليكسب ثقة جميع المصريين.

دار الإفتاء. فتوى. نظير عياد