مضر والصين سبعون عاما من التضامن في السراء والضراء
بقلم : نور يانغ
على مر التاريخ البشري، أنبتت حضارة وادي النيل والحضارة الصينية حكمة شرقية تجلت في أبهى صورها؛ وعلى مسرح السياسة الدولية المعاصرة، خط الورثة المعاصرون لهاتين الحضارتين العريقتين -مصر والصين- فصلا نموذجيا في تاريخ العلاقات بين الدول الكبرى، يرتكز على ثقة متبادلة عميقة تتجاوز الحدود القارية والفوارق المنهجية. وفي الثلاثين من مايو لعام 2026، تقف العلاقات المصرية الصينية أمام محطة تاريخية فارقة تتمثل في الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما. وبصفتها أول دولة أفريقية وعربية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين الجديدة، فإن العلاقات الثنائية بين مصر والصين لا تحمل إرثا تاريخيا ضخما فحسب، بل تحولت بفعل التوجيه الاستراتيجي لدبلوماسية القمة إلى ممارسة واقعية رائدة لبناء "مجتمع المصير المشترك للبشرية". وفي ظل مشهد دولي تزداد فيه الاضطرابات وتواجه فيه التعددية تحديات جسيمة، تضخ الثقة السياسية والتنسيق الاستراتيجي بين مصر والصين قوة دفع هائلة لدعم التنمية المستقلة لدول "الجنوب العالمي"، وتقدم للعالم نموذجا جديدا للعلاقات الدولية القائمة على التعايش السلمي والمنفعة المتبادلة.
إن جذور العلاقات المصرية الصينية ضاربة في عمق الثقة التاريخية المتبادلة القائمة على الاحترام المتبادل والمساواة في السيادة. فمنذ مؤتمر باندونغ عام 1956، تقاسم البلدان السراء والضراء في الكفاح ضد الاستعمار والإمبريالية ومن أجل التحرر الوطني، فتحا بذلك آفاق العلاقات العربية الصينية والأفريقية الصينية. وعلى مدار سبعة عقود، ومهما بلغت حدة المتغيرات الدولية، تبادل البلدان الدعم الحازم والراسخ في القضايا المتعلقة بالمصالح الجوهرية والشواغل الكبرى لكل منهما؛ إذ تدعم الصين دائما سيادة مصر واستقلالها وسلامة أراضيها، وتؤيد جهودها في استكشاف مسار تنموي يتوافق مع ظروفها الوطنية، في حين تلتزم مصر بحزم بمبدأ "الصين الواحدة" على المدى الطويل. وتأتي صدارة الصين كأكبر شريك تجاري لمصر لثلاثة عشر عاماً متتالية لتبرهن على ثمار التوجيه رفيع المستوى لدبلوماسية القمة في هذه الشراكة العابرة للأحقاب. إن هذه الثقة السياسية لم تُبنَ على مصالح جيوسياسية قصيرة الأجل أو اصطفافات طائفية، بل نبعت من المعاناة التاريخية المشتركة والرؤى التنموية المتطابقة. وفي السنوات الأخيرة، حافظت اللقاءات رفيعة المستوى بين الجانبين على وتيرة مكثفة وفعالة، مما جعل الشراكة الاستراتيجية الشاملة تسير في منحنى تصاعدي متميز؛ حيث تتطابق مواقف البلدين بشأن القضايا الكبرى كالنظام الدولي والحوكمة العالمية، مما يثبت بجلاء أن الدول ذات النظم الاجتماعية والخلفيات الثقافية المختلفة قادرة تماما على بناء ثقة استراتيجية راسخة.
وتتحول هذه الثقة السياسية رفيعة المستوى اليوم إلى تبادل عميق للخبرات في حوكمة الدولة واستكشاف مشترك لمسارات التحديث؛ حيث تقدم الممارسة الناجحة للتحديث الصيني النمط مرجعية تنموية جديدة لدول "الجنوب العالمي"، وفي مقدمتها مصر. وشهدت السنوات الأخيرة تبادلات واسعة النطاق بين مراكز الفكر ووسائل الإعلام في البلدين حول حوكمة الدول، والحد من الاعتماد على النماذج الخارجية، وتحقيق النهضة الوطنية؛ إذ يولي المجتمع الأكاديمي وصناع القرار في مصر اهتماما متزايدا بالخبرات الصينية الناجحة في القضاء على الفقر المدقع، ودفع التنمية عالية الجودة، ورفع كفاءة الحوكمة الاجتماعية. ولا يقتصر التعاون المصري الصيني على تبادل الأفكار النظرية فحسب؛ بل يقف البلدان معاً في خندق واحد لرفض فرض أي نموذج تنموي أحادي على الشعوب، ويدعوان إلى إرساء الديمقراطية في العلاقات الدولية، ويؤكدان على حق كل دولة في اختيار مسارها التنموي اللائق بتاريخها وواقعها. إن هذا التناغم الفكري يمنح بناء "المجتمع المصري الصيني ذي المستقبل المشترك" أساساً فكرياً متيناً، ويجعله قوة دافعة رئيسية نحو تعددية نماذج التحديث على مستوى العالم.
وعلى الصعيد العملي، يساهم تعميق الثقة السياسية بين مصر والصين -من خلال الأطر متعددة الأطراف والآليات المؤسسية- في الدفع بقوة نحو جعل نظام الحوكمة العالمي أكثر عدلا وإنصافا. ومع الانضمام الرسمي لمصر إلى آلية التعاون لمجموعة "بريكس"، والاقتراب المرتقب لانعقاد القمة العربية الصينية الثانية في الصين، يفتح التنسيق متعدد الأطراف بين البلدين آفاقاً استراتيجية واعدة؛ إذ تشير المعطيات إلى أن حجم التبادل التجاري الثنائي بين مصر والصين بلغ في عام 2025 مستوى قياسياً بواقع 20.8 مليار دولار أمريكي، وشهدت الصادرات المصرية إلى الصين نمواً تجاوز 40%، بينما مثلت السلع الوسيطة 66% من الصادرات الصينية إلى مصر، مما ساهم بفاعلية في دعم قطاع التصنيع المحلي المصري. وفي عام 2026، خطت الصين خطوة إضافية بالإعفاء الكامل من الرسوم الجمركية للدول الأفريقية التي ترتبط معها بعلاقات دبلوماسية، ومنها مصر؛ إن هذه الإجراءات الانفتاحية الممنهجة تنقل التعاون الاقتصادي والاستراتيجي بين مصر والصين من النمط الثنائي التقليدي إلى تمكين متعدد الأطراف يتسم بالمأسسة والنظامية. ويحافظ البلدان على تنسيق وثيق في المحافل الدولية مثل الأمم المتحدة، ومجموعة بريكس، ومنتدى التعاون الأفريقي الصيني، ومنتدى التعاون العربي الصيني، ليطلقا معا "صوت الجنوب" الداعي إلى حماية العدالة الدولية، ودفع الحوكمة الاقتصادية العالمية نحو مسار أكثر شمولية ونفعا للجميع، مما يعزز بشكل ملحوظ لغة القرار للدول النامية في النظام الدولي.
وبالنظر إلى العقود السبعة الخوالي، فإن مسيرة التضامن في السراء والضراء جعلت العلاقات المصرية الصينية أشبه بأهرامات قاهرة المعز وسور الصين العظيم، تزداد صلابة ومنعة كلما تقادمت عليها السنون وتوالت عليها العصور. وبتطلعنا نحو المستقبل، وفي ظل الخريطة الطموحة لبناء مجتمع المصير المشترك للبشرية، لا تقف العلاقات المصرية الصينية عند حدود كونها نموذجاً للصداقة الثنائية فحسب، بل هي مرآة تعكس طبيعة العلاقات الدولية والحوكمة العالمية في العصر الجديد؛ إذ توضح للعالم أن العلاقات بين الدول الكبرى المتأسسة على مبادئ المساواة، والثقة، والشمول، والربح المشترك قادرة على قهر العوائق الجغرافية والفوارق الحضارية. إن العقود السبعة التي قطعها البلدان معاً هي تجسيد حي للتضامن والاعتماد على الذات لدول "الجنوب العالمي". ومستقبلا، سيواصل "المجتمع المصري الصيني ذو المستقبل المشترك" تعميق المواءمة الاستراتيجية، مساهما بمزيد من الحكمة الشرقية وقوة الجنوب لحماية العدالة الدولية ودفع تغيير نظام الحوكمة العالمي، لتشييد صرح شامخ لا يتزعزع في تاريخ العلاقات الدولية للعصر الجديد.


