مهرجان ”كان”.. هل أصبحت السينما مرآة للواقع السياسي المضطرب؟
بقلم : طه المكاوى
لم يعد مهرجان كان السينمائي مجرد مناسبة فنية تتنافس فيها الأفلام على الجوائز، أو ساحة تستعرض فوقها النجمات أزياءهن الفاخرة أمام عدسات المصورين. فخلف البريق المعتاد للسجادة الحمراء، بات "كان" في السنوات الأخيرة أشبه بمنصة سياسية وثقافية كبرى تعكس قلق العالم وتحولاته العنيفة، وتكشف كيف أصبحت السينما واحدة من أهم الأدوات القادرة على قراءة الواقع الدولي المضطرب.
الدورة الأخيرة من المهرجان أكدت هذه الحقيقة بوضوح. فالأفلام التي تصدرت المشهد لم تكن مجرد حكايات إنسانية أو درامية تقليدية، بل بدت وكأنها تقارير فنية عن عالم يعيش على حافة التوتر الدائم. الحرب، والسلطة، والرقابة، والهوية، والانقسام الثقافي، والخوف من الدولة، كلها تحولت إلى موضوعات مركزية داخل الأعمال المتنافسة.
ولعل تتويج الفيلم الروماني "فيورد" بالسعفة الذهبية كان الدليل الأوضح على أن السينما العالمية باتت مشغولة قبل أي شيء آخر بالسؤال السياسي والإنساني الكبير: ماذا يحدث للإنسان حين تصبح الدولة أكثر حضورًا من حياته الخاصة؟
السينما لم تعد تهرب من السياسة
لفترة طويلة، حاولت بعض المدارس السينمائية الفصل بين الفن والسياسة، باعتبار أن السينما يجب أن تكون مساحة للخيال والجمال والمتعة البصرية بعيدًا من ضجيج العالم. لكن الواقع أثبت دائمًا أن السينما لا تستطيع الانفصال عن زمنها.
فكل مرحلة تاريخية كبرى تركت بصمتها على الشاشة. الحرب العالمية الثانية صنعت موجات كاملة من السينما الأوروبية، والحرب الباردة أعادت تشكيل صورة الإنسان في أفلام الشرق والغرب، وحتى هجمات الحادي عشر من سبتمبر غيرت شكل السينما الأميركية لسنوات طويلة.
واليوم، يبدو العالم أمام لحظة أكثر اضطرابًا وتعقيدًا من أي وقت مضى. الحروب تتوسع، والانقسامات السياسية تتصاعد، واليمين المتطرف يزداد حضورًا في أوروبا، بينما يعيش الإنسان المعاصر حالة متزايدة من الخوف والرقابة والعزلة.
ومن الطبيعي أن تنتقل هذه الهواجس إلى السينما.
لهذا لم يكن غريبًا أن تتحول معظم أفلام "كان 79" إلى أعمال تناقش السلطة والحرب والهوية والحرية الفردية. السينما لم تعد قادرة على تجاهل الواقع، لأنها ببساطة أصبحت جزءًا من معركة تفسير هذا الواقع.
"فيورد".. العائلة في مواجهة الدولة
الفيلم الروماني "فيورد" مثال واضح على هذا التحول.
في الظاهر، يقدم الفيلم أزمة عائلية بسيطة: أب روماني وأم نرويجية يربيان أبناءهما وفق قيم محافظة، قبل أن تتدخل مؤسسات الدولة وتسحب الأطفال بسبب شبهات تتعلق بالعنف الأسري.
لكن تحت هذه الحكاية العائلية تختبئ مواجهة سياسية وفكرية عميقة بين الفرد والدولة.
الفيلم يطرح سؤالًا شديد الحساسية في أوروبا اليوم: إلى أي مدى يحق للدولة التدخل في الحياة الخاصة للمواطنين؟
وهل يمكن للأنظمة الليبرالية، التي ترفع شعارات الحرية والتعددية، أن تتحول تدريجيًا إلى سلطة رقابية تتدخل في تفاصيل التربية والدين والثقافة والعلاقات الأسرية؟
هنا تكمن قوة الفيلم. فهو لا يقدم إجابات جاهزة، بل يضع المشاهد أمام تناقضات العالم الحديث. الدولة تبدو مقتنعة بأنها تحمي الأطفال، بينما تشعر الأسرة بأنها مستهدفة بسبب اختلافها الثقافي والديني.
وهذا تحديدًا ما جعل "فيورد" أكثر من مجرد فيلم اجتماعي، بل عملًا سياسيًا بامتياز، حتى وإن لم يرفع شعارات مباشرة.
الحرب حاضرة حتى في القصص الشخصية
الأمر نفسه ينطبق على فيلم "مينوتور" للمخرج الروسي أندريه زفياغينتسف، الذي حصل على الجائزة الكبرى في المهرجان.
الفيلم يبدأ بخيانة زوجية وجريمة قتل، لكنه يتحول تدريجيًا إلى صورة رمزية عن روسيا المعاصرة، حيث يصبح العنف جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية.
الحرب الروسية الأوكرانية لا تظهر بشكل مباشر طوال الوقت، لكنها تظل حاضرة في الخلفية عبر نشرات الأخبار ومشاهد التعبئة العسكرية والخوف العام المسيطر على المجتمع.
وهنا تكشف السينما عن قدرتها المدهشة على التعبير السياسي غير المباشر. فالفيلم لا يقدم خطابًا سياسيًا تقليديًا، لكنه يجعل المشاهد يشعر بأن الحرب تسكن كل شيء: العلاقات، البيوت، وحتى المشاعر الإنسانية.
وهذا ما يميز السينما الحقيقية عن الدعاية المباشرة. الفن لا يكرر نشرات الأخبار، بل يكشف تأثير السياسة داخل الإنسان نفسه.
أوروبا القلقة على الشاشة
اللافت في الدورة الأخيرة من مهرجان كان أن معظم الأفلام الأوروبية بدت وكأنها تعكس حالة قلق جماعي تعيشها القارة.
أوروبا اليوم تواجه أزمات معقدة: تصاعد الهجرة، الخوف من فقدان الهوية، صعود الشعبوية، تراجع الثقة بالمؤسسات، والحرب المشتعلة على حدودها الشرقية.
كل هذه المخاوف ظهرت بوضوح داخل الأفلام المشاركة.
في "أرض الأجداد" للمخرج البولندي بافل بافليكوفسكي، تعود ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية كمرآة لأوروبا الحالية، وكأن الفيلم يسأل: هل تعلمت القارة فعلًا من تاريخها، أم أنها تعيد إنتاج مخاوفها القديمة بأشكال جديدة؟
أما "الكرة السوداء" الإسباني، فقد أعاد فتح جروح الذاكرة والانقسام السياسي داخل إسبانيا، ليؤكد أن التاريخ لا يختفي بسهولة، وأن المجتمعات تحمل دائمًا أشباح ماضيها.
حتى الأفلام التي بدت إنسانية أو شاعرية كانت تخفي خلفها أسئلة سياسية واضحة. وهذا ليس صدفة، بل انعكاس مباشر لحالة عالمية يشعر فيها الجميع بأن السياسة لم تعد مجرد شأن حكومي، بل قوة تتحكم في الحياة اليومية للأفراد.
هل أصبحت السينما أكثر تشاؤمًا؟
ربما نعم.
فالسينما العالمية اليوم تبدو أقل تفاؤلًا مما كانت عليه قبل عقدين أو ثلاثة. الأفلام الحالية مشبعة بالخوف والقلق والشعور بانهيار اليقين القديم.
في السابق، كانت كثير من الأعمال الكبرى تنتهي بإحساس بالأمل أو المصالحة أو الانتصار الإنساني، أما اليوم فالنهايات المفتوحة والمريرة أصبحت أكثر حضورًا.
والسبب في ذلك أن العالم نفسه يعيش مرحلة ضبابية. الحروب لا تنتهي، والأزمات الاقتصادية تتكرر، والتكنولوجيا تفرض أشكالًا جديدة من الرقابة والعزلة، بينما يشعر الإنسان المعاصر بأنه يفقد السيطرة على حياته تدريجيًا.
السينما تعكس هذا الإحساس بوضوح. ولهذا نجد كثيرًا من أفلام "كان" الأخيرة تدور حول أفراد يحاولون النجاة داخل أنظمة أكبر منهم: دولة، حرب، مؤسسة، أو حتى مجتمع يراقب كل شيء.
هل ما زال الفن قادرًا على التغيير؟
هذا السؤال يطرح دائمًا مع كل دورة من مهرجان كان.
البعض يرى أن السينما لم تعد تملك التأثير نفسه في عصر المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي، وأن الأفلام مهما كانت قوية لن تغير الواقع السياسي المعقد الذي يعيشه العالم.
لكن الحقيقة أن الفن لا يغير العالم بالطريقة المباشرة التي تغيره بها السياسة أو الاقتصاد، بل يغير طريقة فهمنا لهذا العالم.
الفيلم العظيم لا يوقف حربًا، لكنه قد يجعل المشاهد يرى الحرب بطريقة مختلفة. لا يسقط نظامًا سياسيًا، لكنه يفضح آليات القمع والخوف داخله. لا يحل الأزمات الاجتماعية، لكنه يمنح الإنسان لغة لفهم ألمه وقلقه.
وهذا تحديدًا ما تفعله السينما في مهرجانات كبرى مثل "كان". فهي لا تقدم حلولًا، لكنها تجعل الأسئلة أكثر وضوحًا.
لماذا يظل "كان" مهمًا؟
لأن مهرجان كان ليس مجرد احتفال بالسينما، بل مساحة عالمية للنقاش الثقافي والسياسي أيضًا.
في "كان"، لا يتم تقييم الأفلام فقط على أساس تقني أو تجاري، بل على أساس قدرتها على التقاط روح العصر.
ولهذا كثيرًا ما تثير الجوائز الجدل، لأن الاختيار لا يتعلق دائمًا بمن هو "الأفضل" سينمائيًا، بل بمن يعبر أكثر عن المزاج العالمي الراهن.
وفوز "فيورد" هذا العام يعكس بوضوح القلق الأوروبي من العلاقة المتوترة بين الحرية والرقابة، بين الدولة والفرد، وبين حماية المجتمع والحفاظ على الخصوصية الإنسانية.
السينما والسياسة.. علاقة لا تنتهي
ربما تحاول بعض الأفلام الابتعاد عن السياسة، لكن السياسة في النهاية تجد طريقها دائمًا إلى الشاشة.
فالسينما ابنة زمنها، والمخرج مهما حاول الهروب من الواقع، فإنه يحمل داخله مخاوف وأسئلة المجتمع الذي يعيش فيه.
ولهذا تبدو أفلام مهرجان كان هذا العام وكأنها أرشيف حي للعالم المعاصر: عالم خائف، منقسم، مرتبك، يبحث عن معنى جديد للحرية والهوية والإنسانية.
وفي النهاية، ربما لا تقدم السينما حلولًا مباشرة، لكنها تظل واحدة من أهم الوسائل التي تساعد البشر على فهم أنفسهم والعالم من حولهم.
ولهذا تحديدًا، يبقى مهرجان كان أكثر من مجرد مهرجان سينمائي؛ إنه نافذة سنوية يرى العالم من خلالها صورته الحقيقية، بكل ما فيها من جمال وقلق وتناقضات.



