الأنبا إرميا: مصر حصن الحماية الإلهي وملجأ الأنبياء والمستجيرين عبر التاريخ
أكد نيافة الأنبا إرميا، الأسقف العام ورئيس المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، أن التاريخ سجل بحروف من نور قيم التسامح الديني والوحدة الوطنية التي يجسدها الشعب المصري؛ حيث تلاحمت دماء المسلمين والأقباط عبر العصور في خندق واحد دفاعًا عن تراب الوطن، لا سيما في معارك سيناء الخالدة، ليرسموا معًا نموذجًا فريدًا في الولاء والانتماء للأمة العربية بأسرها.
وأثنى الأنبا إرميا، خلال لقائه مع الإعلامي نافع التراس، ببرنامج "المواطن والمسؤول"، المذاع على قناة "الشمس"، على الإشادات الدولية بأمن مصر واستقرارها، مستعرضًا المكانة الاستثنائية التي حظيت بها الكنانة عبر العصور كملجأ آمن للأنبياء والمستجيرين: إبراهيم خليل الله جاءها مع زوجته في زمن المجاعة، واغتنم من خيراتها وتزوج من السيدة هاجر المصرية، ويوسف الصديق ويعقوب عليهما السلام، احتضنت مصر يوسف الصديق ليصبح الرجل الثاني في الدولة وينقذ المنطقة بأسرها من القحط، ثم عاش فيها يعقوب وبنوه مئات السنين في أمن ورخاء، فضلا عن رحلة العائلة المقدسة عندما أراد الملك هيرودس قتل السيد المسيح طفلاً، نزل الوحي ليأمر القديس يوسف بالهروب إلى أرض مصر، فعاش فيها السيد المسيح مع السيدة العذراء زهاء أربع سنوات، تنقلوا خلالها بين شمالها وجنوبها وشرقها وغربها، فكانت مصر حصن الحماية الإلهي، علاوة على النسب النبوي الشريف، حيث تواصلت هذه الروابط التاريخية المباركة بزواج الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من السيدة مارية القبطية.
وتابع: "مصر طول عمرها بلد مفتوح للجميع، يحتمي بها كل من يلتجئ إليها، ولم تكن يومًا مكانًا للارهاب أو لعدم التسامح".
وطرح الأنبا إرميا، رؤية روحية حول فلسفة السلام، مؤكدًا أن الإنسان لن يستطيع التسامح مع الآخرين ما لم يمتلك سلامًا داخليًا، محطمًا مفهوم السلام إلى ثلاثة مستويات متكاملة؛ أولها السلام مع الله ويتجلى في سلوك الإنسان، وتصرفاته، ومحبته، وقبوله لكل من يقابله، فضلا عن السلام مع الآخر وينعكس من السلام الإلهي ليدفع المرء نحو احترام حقوق الآخرين وحرياتهم، علاوة على السلام مع النفس وهو السلام الداخلي الذي يقبل الذات ويطورها.
وشدد على أن جميع الأديان السماوية اتفقت على السلام والتسامح، ولم تدعُ يومًا للقتل أو الانتقام، محذرًا من أن غياب التسامح يولد الكراهية والبغضاء، واللذين يقودان بدورهما إلى التناحر والدمار وضياع الأمم.
واستشهد بالتوافق اللاهوتي والنصي بين الأديان؛ حيث جاء في القرآن الكريم: {الملك القدوس السلام}، ودعوة المؤمنين: {ادخلوا في السلم كافّة}، وفي المقابل تدعو نصوص المسيحية والتوراة إلى "طلب السلام والسعي وراءه"، مؤكدة أن "طوبى لصانعي السلام" وأن "ثمر البر يُزرع في السلام".
ولفت إلى عبقرية الخطاب القرآني في سورة الحجرات حينما توجه بالخطاب للبشرية جمعاء: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}، موضحًا أن الآية لم تخص المسلمين أو المؤمنين وحدهم، بل خاطبت الناس جميعًا باختلاف أديانهم، وجعلت الغاية هي التعارف المبني على الود والمحبة وإفشاء السلام.
واستذكر نيافة الأنبا إرميا الجهود الوطنية للمفكر الراحل الأستاذ الدكتور محمود حمدي زقزوق، وزير الأوقاف الأسبق والأمين العام المؤسس لبيت العائلة المصرية، ومستشار شيخ الأزهر، راويًا موقفًا تاريخيًا للدكتور محمود حمدي زقزوق خلال اجتماع المجلس التنفيذي لبيت العائلة، حينما وقف وسط الشيوخ والقساوسة وتلا بخشوع آيات من سورة آل عمران، واصفًا أتباع الكتاب بالصلاح: {مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ}.
وشدد على أن هذا الموقف شكّل الدستور الإنساني للعيش المشترك، قائلاً: "هناك مشتركات عميقة بين المسلمين والمسيحيين واليهود؛ فالله عز وجل منبع واحد لكل الأديان، وهو سبحانه لا ينقسم على ذاته، ولا يمكن أن ينقسم البشر تحت أي مسمى من المسميات".

