دكتورة فاتن فتحي تكتب: بين أعباء المهنة والتزام رسالتها الإنسانية في يومها العالمي.. التمريض خط دفاع معركة الحياة
في كل مستشفى، وفي كل غرفة عناية، وبين صرخات الألم ونبضات الأمل، يقف التمريض باعتباره العمود الفقري للمنظومة الصحية، والحلقة الأكثر قربًا من المريض، والأكثر تحمّلًا للضغوط النفسية والبدنية والإنسانية. ورغم هذه المكانة المحورية، لا يزال قطاع التمريض في كثير من دول العالم يعاني نقصًا حادًا في الكوادر، وضغوطًا مهنية هائلة، وتحديات اقتصادية واجتماعية تستوجب تدخلًا رسميًا ومجتمعيًا عاجلًا.
ويأتي الاحتفال بـ اليوم العالمي للتمريض في 12 مايو من كل عام، ليعيد تسليط الضوء على واحدة من أكثر المهن ارتباطًا بالحياة والرحمة والتضحية، وهو اليوم الذي يوافق ذكرى ميلاد فلورنس نايتنجيل، رائدة التمريض الحديث التي أحدثت ثورة في الرعاية الصحية خلال حرب القرم في القرن التاسع عشر.
وترجع جذور الاحتفال العالمي بالتمريض إلى عام 1965 حين بدأ المجلس الدولي للتمريض إحياء المناسبة عالميًا، قبل أن يُعتمد رسميًا عام 1974 ليكون يوم 12 مايو يومًا عالميًا للتمريض، تكريمًا لذكرى ميلاد فلورنس نايتنجيل، التي أسست أول مدرسة حديثة للتمريض في لندن عام 1860، ورسخت مفاهيم النظافة والرعاية المنظمة والإحصاء الطبي في المستشفيات. ولم تكن نايتنجيل مجرد ممرضة، بل كانت رائدة في استخدام البيانات والإحصاءات لتحسين الخدمات الصحية، حتى إن كثيرًا من المؤرخين يعتبرونها من أوائل من استخدموا التحليل الإحصائي في المجال الطبي.
وبحسب منظمة الصحة العالمية، يوجد حاليًا نحو 29 مليون ممرض وممرضة حول العالم، يشكلون أكبر فئة مهنية في قطاع الرعاية الصحية، بينما تمثل النساء نحو 67% من العاملين في القطاع الصحي والاجتماعي عالميًا. لكن هذه الأرقام الضخمة لا تعني الاكتفاء؛ إذ تؤكد المنظمة أن العالم سيواجه عجزًا يقدر بـ4.5 مليون ممرض وممرضة بحلول عام 2030، مع تركز الأزمة في إفريقيا والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا. كما أظهر تقرير “حالة التمريض في العالم 2025” أن التفاوت العالمي في توزيع الكوادر التمريضية لا يزال خطيرًا، حيث يتركز 78% من ممرضي العالم في دول تمثل فقط 49% من سكان الأرض، ما يهدد أهداف التغطية الصحية الشاملة وجودة الرعاية الطبية في الدول الفقيرة والنامية.
ولم يعد التمريض مجرد وظيفة صحية، بل أصبح عنصرًا اقتصاديًا حاسمًا في استقرار الدول. فكل استثمار في تدريب الممرضين وتحسين أوضاعهم ينعكس مباشرة على جودة الخدمات الصحية وتقليل معدلات الوفيات والإقامة الطويلة بالمستشفيات، وبالتالي تخفيف الأعباء المالية على الحكومات والأنظمة الصحية. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الاستثمار في التمريض يساهم في بناء أنظمة صحية أكثر كفاءة واستدامة، كما يدعم الاقتصاد الوطني عبر توفير فرص عمل مستقرة وتحسين الإنتاجية العامة للمجتمع.
وفي المقابل، يؤدي نقص التمريض إلى خسائر اقتصادية ضخمة. ففي بريطانيا مثلًا، أدى انخفاض أعداد الممرضين الوافدين بنسبة وصلت إلى 93% خلال السنوات الأخيرة إلى تفاقم أزمة المستشفيات ودور الرعاية، وسط تحذيرات من انهيار بعض الخدمات الصحية بسبب نقص الكوادر.
ورغم الصورة الإنسانية النبيلة للمهنة، يواجه الممرضون يوميًا ضغوطًا قاسية تبدأ من ساعات العمل الطويلة، مرورًا بالتعامل مع الحالات الحرجة والوفيات، وصولًا إلى الإرهاق النفسي ونقص التقدير المجتمعي. وخلال جائحة كورونا، كان التمريض في الصفوف الأولى للمواجهة، حيث تعرض ملايين العاملين الصحيين للإصابة، وفقد الآلاف حياتهم أثناء أداء واجبهم الإنساني. كما تكشف تقارير دولية أن كثيرًا من الممرضين يتركون المهنة بسبب الاحتراق النفسي وضعف الرواتب وقلة الحماية المهنية، وهو ما يهدد مستقبل القطاع الصحي عالميًا، خاصة مع اقتراب أعداد كبيرة من الممرضين من سن التقاعد خلال السنوات المقبلة.
ما يميز التمريض عن كثير من المهن الأخرى أن العلاقة بين الممرض والمريض لا تقوم فقط على العلاج، بل على الدعم النفسي والاحتواء الإنساني. فالممرض هو أول من يستقبل المريض وآخر من يطمئنه، وهو الشاهد اليومي على الألم والخوف والرجاء. وفي قصص التكريم التي شهدها يوم التمريض العالمي هذا العام، برزت نماذج لممرضات عملن لعقود في القرى والمناطق النائية، وقدمن خدمات إنسانية استثنائية في رعاية الأطفال والأمهات والتطعيمات ومكافحة الأمراض المزمنة.
ويؤكد الخبراء أن إنقاذ مهنة التمريض يبدأ من عدة محاور أساسية، أبرزها تحسين الرواتب والحوافز بما يتناسب مع حجم المسؤولية والمخاطر، وتوفير بيئة عمل آمنة نفسيًا وبدنيًا، وزيادة أعداد المعاهد والكليات وبرامج التدريب، إلى جانب توفير دعم نفسي للعاملين بالمهنة، وسن تشريعات تحمي الممرضين من الاعتداءات والانتهاكات، فضلًا عن تعزيز الصورة المجتمعية للممرض باعتباره شريكًا أساسيًا في العلاج. كما تحتاج المؤسسات الإعلامية والتعليمية إلى إعادة تقديم التمريض بوصفه رسالة علمية وإنسانية عظيمة، لا مجرد وظيفة مساندة للطبيب.
إن الاحتفال باليوم العالمي للتمريض ليس مجرد مناسبة رمزية، بل دعوة عالمية لإعادة الاعتبار إلى “جيوش ملائكة الرحمة” التي تحمل الأنظمة الصحية على كتفيها. فحين يحظى التمريض بالدعم والتقدير والتأهيل، تصبح المستشفيات أكثر أمانًا، والمجتمعات أكثر صحة، والإنسان أكثر قدرة على مواجهة المرض والأزمات. وفي عالم تتزايد فيه التحديات الصحية والأوبئة والكوارث، يبقى التمريض هو خط الدفاع الأول عن الحياة، وصوت الرحمة الذي لا ينطفئ داخل غرف الألم.


