الخميس 16 يوليو 2026 10:30 مـ 30 محرّم 1448هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

اقتصاد

كيف وضعت شركة Ondo Finance صندوق BlackRock وسهم Micron على شبكة إيثيريوم للتداول

رمز إيثيريوم بجانب عملتي بلاك روك ومايكرون
رمز إيثيريوم بجانب عملتي بلاك روك ومايكرون

الأسهم المُرمّزة تبدأ التداول على البلوكتشين

في الثاني من تموز حدث شيء نادر. لم يُطلَق منتج واحد بل منتجان يتنافسان على الفكرة ذاتها في اليوم عينه، وكأن السوق أراد أن يحسم نقاشاً طال حول الشكل الذي ينبغي أن تأخذه ملكية سهمٍ حين تُنقل إلى دفترٍ رقمي لا يديره طرف واحد بمفرده.

الفكرة في ظاهرها مغرية ببساطتها. تأخذ ورقة مالية تعرفها جيداً وتضع ما يمثّلها على سلسلة كتل، فتصير قابلة للتداول بالسلاسة التي تنتقل بها العملات المشفّرة بين المحافظ. وإذا سبق أن أنهيت عملية تسجيل وان اكس بت في أقل من دقيقة، فلن يبدو لك امتلاك حصةٍ من صندوقٍ عبر تطبيقٍ أمراً غريباً. غير أن الفارق الحقيقي مدفونٌ في سؤالٍ يبدو مملّاً، من يحفظ السهم الأصلي ومن يضمن حقك فيه إن تعثّر الوسيط.

منتجان متنافسان في يومٍ واحد

شركة Ondo Finance اختارت الطريق الذي يبقى داخل قواعد السوق القائمة. وضعت نسخاً مُرمّزة من صندوق BlackRock المتتبّع لمؤشر S&P 500 ومن سهم شركة Micron لرقائق الذاكرة على شبكة إيثيريوم، ووصفت الخطوة بأنها أول تطبيق حي لنموذج الحفظ عبر طرف ثالث الذي ترسّخ في السوق مطلع العام.

اختيار الورقتين لم يكن اعتباطياً. صندوق المؤشر يمثّل الاستثمار الهادئ الموزّع على مئات الشركات، بينما عُرف سهم Micron بتقلّباته الحادّة مع دورات الطلب على مراكز البيانات، وكأن الشركة أرادت أن تُثبت أن نموذجها يصلح للورقة الوديعة والورقة المشاكسة في آنٍ واحد. ولم توجّه Ondo رسالتها إلى جمهور التمويل اللامركزي وحده، فلهجة الإعلان بدت مصمّمة لمسؤولي الالتزام في بيوت إدارة الأصول الكبرى، أولئك الذين لا يحرّكهم بريق التقنية بقدر ما يقلقهم سؤالٌ واحد عن مدى انسجامها مع الأعراف المستقرة في السوق.

في المقابل مضت شركة Securitize في اتجاهٍ مغاير حين رمّزت أسهمها هي، المُدرجة حديثاً تحت الرمز SECZ، على شبكتَي سولانا وأفالانش في يوم طرحها العام. الفارق بين المسارين ليس تقنياً بحتاً كما قد يُخيَّل للوهلة الأولى، فهو يمسّ ما يملكه حامل الرمز فعلاً وما يبقى بيده حين تسوء الأمور. قد تكون حقوق المساهم كاملة في نموذجٍ ومجرد ظلٍّ للسعر في آخر، ووسائل استرداد حقك تتباين كلياً إن تعثّرت الجهة الحافظة للأصل.

كيف يعمل نموذج الحفظ

المنطق الذي تقوم عليه أوراق Ondo أبسط بكثير مما توحي به صياغتها المعقّدة. يبقى السهم الحقيقي حيث كان دائماً، داخل سلسلة الحفظ التقليدية بيد أمين حفظٍ مختص، فيما يتولّى وكيل نقل ملكيةٍ معتمد إصدار الرموز على البلوكتشين. هذا الوكيل، وهو Oasis Pro التي ضمّتها Ondo إلى ملكيتها العام الماضي، يسكّ كل رمزٍ مقابل سهمٍ محفوظ بنسبة واحدٍ إلى واحد. الأمر أقرب إلى طبقةٍ رقمية توضع فوق بنيةٍ قائمة. وما ظلّ حتى وقتٍ قريب إطاراً نظرياً على الورق صار بين يدَي المستثمر المؤسسي أول دليلٍ عملي على أنه قابل للتطبيق فعلاً.

ولماذا كل هذا الالتفاف؟ لأن النسخ المُرمّزة من الأسهم التي سبقت هذه الموجة كانت تتداول في الغالب في أسواقٍ موازية أو تتّكئ على مُصدر الورقة نفسه لرعاية الرمز، ما ترك المنتجات المتوافقة مع قواعد السوق شحيحة على نحوٍ لافت. والقاعدة التي ترتكز عليها هذه الموجة لا لبس فيها، فتغيير شكل الورقة المالية لا يغيّر طبيعتها ولا الالتزامات المترتبة على حاملها. وهنا يظهر ما يفصل مسار Ondo عن مسار Securitize في اليوم نفسه، فالأول يباعد بين جهة الحفظ وجهة الإصدار بينما يجعل الثاني الشركة المُصدِرة هي الأصل والرمز في آنٍ واحد. هذا الفصل تحديداً يمنح حامل الرمز في نموذج Ondo مرجعاً واضحاً يعود إليه، وهي راحةٌ لا يقدّرها إلا من ضاع منه يوماً أثر أصلٍ رقمي بلا عنوان.

ماذا يتغيّر لك عملياً

الأثر لا يبقى نظرياً حين ينزل إلى تجربتك اليومية. تصير التسوية أسرع، ويظل باب السوق مفتوحاً حتى بعد أن تُغلق أبواب البورصة التقليدية، من دون أن تفقد الورقة صفتها كورقةٍ مالية كاملة الحقوق. صرت تمسك بأداةٍ تتحرك بسرعة البلوكتشين وتُحاسَب بمنطق سوق الأوراق المالية في آن، وهو مزيجٌ نادراً ما اجتمع قبل الآن.

حقوق المساهم لا تختفي

الاعتراض الأقدم على الأسهم المُرمّزة كان بسيطاً وموجعاً في آن. المنتجات المُصنّعة التي سبقتها منحتك تعرّضاً لحركة السعر وسلبتك كل ما عداه، فلا حقّ تصويت ولا وثائق ولا كلمة في قرارات شركةٍ تملك جزءاً منها ورقياً.

هنا يدخل تعاون Ondo مع Broadridge الذي أُعلن في نيسان، إذ صار بمقدور حاملي أكثر من مئتين وخمسين ورقة مُرمّزة أن يصوّتوا بالوكالة عبر المنصة نفسها التي تعتمدها بيوت الوساطة التقليدية، بعد أن يُثبتوا هويتهم من خلال محافظهم الرقمية.

وهنا يبرز الفارق الأعمق. التطبيق الذي بات يجاور 1xbet وتطبيق مصرفك على الشاشة عينها لم يعد يكتفي بعرض رقمٍ يصعد ويهبط، بل صار بوابةً إلى وثائق الشركة وحق التصويت الذي طالما اقتصر على المساهم التقليدي، أي إلى جوهر ما يعنيه أن تكون مالكاً حقيقياً لا حائزاً لحصةٍ صامتة. أحد مسؤولي Broadridge وضع المسألة في سياق الثقة بلا مواربة، فالترميز في نظره لن يتوسّع ما لم يجمع بين الجديد الذي يغري وبين الطمأنينة التي تُبقي المستثمر في مكانه.

ما يبنيه اللاعبون الكبار

ولا تقف Ondo وحدها في هذا الميدان. أطلقت Robinhood سلسلة كتل عامة مخصّصة للأسهم المُرمّزة، ووسّعت شركة الإيداع المركزي DTCC بنيتها القائمة على البلوكتشين، فيما كشفت ناسداك وكبرى البورصات عن مبادرات ترميز خاصة بها. ودخول جهات التسوية والبورصات الكبرى على الخط يعني أن الترميز غادر خانة التجربة التي تخوضها منصّات صغيرة على الأطراف، ليصبح مساراً تتزاحم عليه المؤسسات التي تمسك بأنابيب السوق نفسها.

ما تقوله الأرقام الآن

وتسند الأرقام هذا التحوّل على طريقتها الخاصة.

  • قدّرت Citi الشهر الماضي أن سوق الأوراق المالية المُرمّزة قد يقارب خمسة تريليونات ونصف التريليون دولار بحلول 2030.

  • قطاع الأسهم المُرمّزة وحده قفز بأكثر من 147% خلال هذا العام.

  • منصّة Ondo العالمية تضم اليوم أكثر من 430 ورقة مالية مُرمّزة بقيمةٍ تتجاوز المليار دولار ونحو 181 ألف حاملٍ للرموز، أرقامٌ كانت قبل عامين أقرب إلى شرائح العروض التقديمية منها إلى الواقع.

  • في حزيران أطلقت الشركة مع Exodus سوقاً على سولانا تتيح مئات الأصول المُرمّزة.

النموذجان وُلدا في يومٍ واحد، لكن أحدهما يرى النجاة في البقاء ضمن الأطر القائمة بينما يرى الآخر فيها قيداً. أيّهما قرأ السوق بشكل أصح لن تكشفه نشرة إطلاقٍ أنيقة، بل أول يومٍ يُختبر فيه الطرف الذي يحفظ الأصل.