استشاري تغذية عن نظام ”الطيبات”: حالة نموذجية لصناعة الوهم والقطيعة مع المنهج العلمي
قال الدكتور عماد الدين فهمي، استشاري التغذية العلاجية، إن العلم بطبعه مُعقد، يعترف بالاحتمالات، ويحترم التخصص؛ أما الشعبوية، فتقدم حلولًا سحرية بكلمات قاطعة (شفاء تام، ممنوع مطلق، مسموح مطلق)، موضحًا أن العقل البشري تحت ضغط المرض يميل إلى الهروب من تعقيدات الطب والتحاليل إلى بساطة الوهم التي تمنحه شعورًا زائفًا بالسيطرة.
وأوضح "فهمي"، أن نظام الطيبات اعتمد على آلية سيكولوجية تسمى "صناعة الاستقطاب"؛ فبدلاً من تكامل العلم، تم تصوير الطب التقليدي كعدو أو كمنظومة قاصرة، وتقديم نظام الطيبات كالمخلص الوحيد، وهذا النوع من الخطاب يولد ولاءً عاطفيًا لدى الأتباع، يجعلهم يدافعون عن المنهج وكأنه جزء من هويتهم الشخصية، وليس مجرد رأي طبي قابل للنقاش، مشيرًا إلى أنه في غياب الدراسات السريرية الموثقة، يتم الاعتماد على الحكايات الفردية وهي قصص الشفاء المزعومة، وسيكولوجيًا، التأثر بقصة مريض واحد يقول إنه شفي أقوى لدى العوام من قراءة بحث علمي رصين على آلاف المرضى، وهذه العاطفة الموجهة هي الوقود الذي يحرك الشعبوية في مواجهة الحقائق.
ولفت إلى أن أي تغيير مفاجئ في العادات الغذائية، حتى لو كان عشوائيًا، قد يتبعه تحسن مؤقت في بعض الأعراض نتيجة غسل العقل أو التأثير النفسي، والشعبوية تستغل هذا التحسن العابر لترسيخ وهم الشفاء التام، بينما يتجاهل المريض التدهور الصامت لفسيولوجيا الجسد في الخفاء، مؤكدًا أنه لا يمكن اختزال قضية نظام الطيبات في مجرد خلاف حول نظام غذائي أو نمط حياة؛ فنحن أمام حالة نموذجية لكيفية صناعة الوهم واستغلال الثغرات النفسية لدى الجماهير لتحقيق هيمنة فكرية، مشيرًا إلى أنها ليست دعوة للتغيير، بل هي راديكالية معرفية تعلن القطيعة مع المنهج العلمي وتستبدله باليقين الشخصي.
وأشار إلى أنه عند تحليل السلوك الظاهري للشخصيات التي تتبع نظام الطيبات، نجد ملامح واضحة تتجاوز الثقة بالنفس لتصل إلى آفاق أخرى، أبرزها النرجسية المعرفية والاعتقاد الجازم بأن الذات هي المستودع الوحيد للحقيقة، وما دونها هو ضلال أو تآمر، وهنا تتحول الأنا إلى مرجعية عليا تلغي مجهودات قرون من البحث العلمي بكلمة واحدة، فضلا عن استراتيجية "الهجوم الدفاعي" واستخدام الحدة والغلظة في الطرح ليس مجرد أسلوب تعبير، بل هو تكتيك لترهيب النقاد وإخضاع المتابعين، والسلطوية في اللسان تمنح انطباعًا زائفًا بالقوة والصدق، علاوة على أن إضفاء طابع ديني أو أخلاقي على الأفكار الصحية يهدف لإنشاء درع حصين؛ بحيث يصبح نقد الفكرة العلمية بمثابة اعتداء على العقيدة، مما يغلق باب النقاش المنطقي تمامًا.
وأكد أن توجيه الناس لإيقاف بروتوكولات علاجية حيوية دون استناد لمختبرات أو دراسات سريرية يعكس حالة من الانفصال عن الواقع وعدم الاكتراث بالتبعات الإنسانية مقابل إثبات صحة النظرية، موضحًا أن الكارثة الحقيقية لا تكمن في وجود مضلل، بل في وجود قابلية للتضليل، وهناك محركات نفسية تجعل العقل البشري ينجذب لهذه الظواهر تتمثل في إغواء الحلول المختصرة: العلم معقد، والطب يعترف بحدوده، والشفاء مسار طويل، وفي المقابل، يقدم المخلص إجابات قاطعة وبسيطة (أبيض أو أسود)، وهو ما يبحث عنه العقل المرهق من الاحتمالاتً
ونوه بأنه يركز أتباع نظام الطيبات على حالات التحسن العارض التي قد تكون ناتجة عن إيحاء نفسي أو تغييرات طفيفة ويتم تضخيمها، بينما تُطمس تمامًا قصص الفشل أو التدهور الصحي، وفي وعي الجماهير، غالبًا ما يُخلط بين السلاطة في اللسان والشجاعة في قول الحق، والصراخ في وجه المؤسسات التقليدية يمنح المتابع شعورًا بالانتصار الوهمي على النظام العالمي.
ولفت إلى أنه مع الوقت، يصبح الدفاع عن المنهج دفاعًا عن كرامة الشخص واختياره، والاعتراف بالخطأ يعني الاعتراف بالتعرض للخداع، وهو ثمن نفسي باهظ يرفض الكثيرون دفعه، مؤكدًا أن استغلال أزمات الثقة بين الشعوب والمؤسسات الطبية الرسمية يدخل هؤلاء من باب المؤامرة ليقدموا أنفسهم كبديل نقي ومستهدف.
وشدد على أن المواجهة اليوم ليست بين طبيب وآخر، بل هي مواجهة بين منطق الدليل وسطوة التضليل، لأن العلم أمانة، ومسؤوليتنا كمتخصصين هي استعادة هيبة الحقيقة العلمية أمام طوفان الوعود الزائفة، مؤكدًا أننا لا نواجه مجرد طبيب مختلف، بل نواجه نموذجًا متكررًا عبر التاريخ، شخصية تملك كاريزما عدائية، تطرح أفكارًا تبسيطية مريحة، وتستهدف جمهورًا يبحث عن يقين في زمن الحيرة، والنتيجة دائمًا واحدة وهي ضجيج هائل، وتصفيق حاد، وتكلفة بشرية باهظة تُدفع بصمت خلف الأبواب المغلقة حين تنطفئ أضواء الكاميرات، موضحًا أن الوعي هو الحصن الوحيد، فالحقيقة لا تحتاج لشتائم لتثبت نفسها، والعلم لا يُبنى على أنقاض الترهيب.

