عبدالعزيز محسن يكتب : الأسرة في مهب الانحياز التشريعي
عبدالعزيز محسن
ليست خطورة بعض نصوص الأحوال الشخصية في آثارها المباشرة فقط، بل في الفلسفة الكامنة خلفها؛ تلك الفلسفة التي تبدو وكأنها تنقل التشريع من موقع “تنظيم الأسرة” إلى موقع “إعادة هندسة السلطة داخل الأسرة”.
وهنا تصبح القضية أعمق من مجرد مواد قانونية قابلة للأخذ والرد، لأنها تمس جوهر الفكرة الدستورية ذاتها: هل القانون وُجد ليحقق التوازن بين المواطنين؟ أم ليمنح طرفًا امتيازًا تشريعيًا على حساب طرف آخر؟
فالأصل في الدولة الحديثة أن القانون لا ينظر إلى الناس بوصفهم رجالًا ونساءً، بل بوصفهم مراكز قانونية متساوية أمام العدالة المجردة.
أما حين تبدأ النصوص في بناء حقوقها على افتراضات اجتماعية مسبقة، فإن التشريع يتحول تدريجيًا من ميزان للعدالة إلى أداة لإعادة إنتاج الانحياز داخل المجتمع.
اقرأ أيضاً
الغد يطلق حوارًا وطنيًا موسعًا حول التشريعات المصيرية.. وتوصيات عاجلة بإصلاح قوانين الأسرة والإيجارات والنفقة/ صور
في سوق تتقارب فيه الهواتف الذكية، سامسونج تثبت تفوقها وتعيد رسم معايير الأداء والابتكار من خلال شاشة Privacy Display
اشتراك واحد وترفيه بلا حدود: سامسونج تطلق ”StreamPass” لتجمع أفضل منصات بث الفيديو في مكان واحد
عضو بمجلس النواب يطالب الحكومة بسرعه تنفيذ آلية مكافحة الكلاب الضالة في الشوارع على مستوى الجمهورية
من حماية الأسرة إلى تفكيكها: ماذا يحدث في مشروع«قانون الأحوال الشخصية»؟
”IoT Misr” تتعاون مع ”Phosphorus” للتوسع في تأمين إنترنت الأشياء داخل مصر
ثلاث طلاب بجامعة مصر للمعلوماتية يفوزون بمسابقات في سنغافورة وكندا ومصر
نافع التراس: مصر تترجم ”أمن الخليج خط أحمر” لواقع ملموس في عرض البحر
برلمانية: احتياجات المسن تزداد ولا تقل.. والمعاش الحالي وجع في قلب كل أسرة
برلمانية: إدارة أزمة سيستم المعاشات تفتقر للحس الإنساني والاحترافي
برلماني: ما حدث في التأمينات مقامرة بمصالح الناس وليس تحولًا رقميًا
”تقييم دور التنقيب عن المعادن في دعم الاقتصاد الأخضر”..عنوان رسالة دكتوراه للمستشار حسن الجعفري من منظمة الأمم المتحدة
ومن هنا تبرز الإشكالية الخطيرة في النص الذي يمنح الزوجة وحدها حق فسخ عقد الزواج خلال ستة أشهر.
فإذا كان الزواج عقدًا رضائيًا متبادل الالتزامات، وإذا كانت فلسفة الفسخ تقوم على احتمال ظهور تدليس أو عيب أو استحالة توافق في البدايات الأولى، فإن المنطق القانوني البحت يفرض أن يكون الحق متكافئًا بين طرفي العقد.
أما تخصيصه لطرف دون آخر، فهو ليس حماية استثنائية بقدر ما هو افتراض تشريعي ضمني بأن الرجل دائمًا موضع شبهة، وأن المرأة دائمًا الطرف الأحق بامتيازات إضافية.
وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: كيف يستقيم ذلك مع مبدأ المساواة الدستورية؟
وكيف يمكن لعقد واحد أن ينتج حقًا لطرف، بينما يُحرم الطرف الآخر من ذات الوسيلة القانونية رغم تماثل المركز التعاقدي؟
إن العدالة لا تُقاس بالنوايا الحسنة للنصوص، بل بمدى اتساقها مع التجريد والحياد.
فالقانون الذي يبني أحكامه على التصنيف الجندري لا على معيار الضرر الموضوعي، يفقد تدريجيًا صفته كقانون عام مجرد، ويتحول إلى أداة ترجيح اجتماعي منحازة.
لكن الإشكال لا يتوقف هنا.
فالأزمة الأعمق تتجلى في فلسفة الحضانة الممتدة حتى الخامسة عشرة، مع استمرار حضانة البنت حتى الزواج؛ وهي فلسفة تكشف بوضوح كيف تحولت بعض التصورات التشريعية من حماية الطفل إلى تقليص الدور الإنساني للأب داخل الأسرة.
إذ لا يمكن منطقيًا ولا نفسيًا اختزال الأب في وظيفة “الإنفاق”، ثم الادعاء بعد ذلك بأن الطفل يعيش توازنًا أسريًا طبيعيًا.
فالطفل لا يُبنى بالطعام وحده، بل بالحضور.
ولا ينمو بالإنفاق فقط، بل بالشعور اليومي بالأبوة.
ومن أخطر ما أنتجته هذه الرؤية التشريعية، أنها دفعت بصورة غير مباشرة نحو إعادة تعريف الأب في الوعي القانوني والاجتماعي باعتباره “ممولا إلزاميًا”، لا شريكًا أصيلًا في التربية والتكوين النفسي.
والنتيجة أن الحضانة — في كثير من التطبيقات الواقعية — تحولت من نظام مؤقت لرعاية الصغير إلى نظام طويل الأمد لعزل الأب عن تفاصيل حياة أبنائه خلال أخطر مراحل التكوين النفسي والعاطفي.
وهنا تظهر المفارقة المؤلمة: الدولة التي تتحدث عن حماية الأسرة، تصنع بنصوصها مسافة قانونية بين الطفل وأبيه.
فأي توازن نفسي يمكن أن ينشأ لطفل يرى والده لساعات محدودة، بينما يُحرم من حضوره الطبيعي في التربية والتوجيه والانضباط والاحتواء؟
وأي منطق اجتماعي يتصور أن تغييب الأب لسنوات طويلة لا يترك أثرًا على مفهوم الهوية والانتماء والاستقرار النفسي؟
إن فلسفة التشريع الحديثة يجب أن تقوم على حماية “حق الطفل في والديه”، لا على تكريس انتصار أحد الوالدين على الآخر بعد الانفصال.
فالأسرة ليست ساحة حرب قانونية، والطفل ليس غنيمة نزاع، والأب ليس خصمًا ينبغي تحجيمه تشريعيًا.
والمشكلة الحقيقية أن بعض هذه النصوص تُصاغ تحت ضغط خطابات عاطفية وإعلامية، بينما القانون الرشيد لا يُبنى بالانفعال، بل بالفلسفة الدستورية الهادئة التي تدرك أن أي اختلال في ميزان الحقوق داخل الأسرة، سيتحول مع الوقت إلى اختلال في البنية الاجتماعية كلها.
لأن المجتمع لا ينهار فقط حين تغيب القوانين، بل أحيانًا حين تفقد القوانين عدالتها المجردة.
وحين يشعر قطاع واسع من الآباء أن التشريع لم يعد يراهم شركاء متساويين داخل الأسرة، بل أطرافًا مقيدة الحقوق ومحدودة الحضور، فإن الأزمة لا تعود نزاعًا عائليًا، بل تصبح أزمة ثقة في حياد الدولة نفسها.
ولهذا فإن أي قانون أحوال شخصية حقيقي يجب أن ينطلق من قاعدة واحدة لا تحتمل المساومة: العدالة الأسرية لا تتحقق بإقصاء الرجل، كما لا تتحقق بالانتقاص من المرأة، وإنما تتحقق فقط حين ينتصر القانون لفكرة التوازن، لا لفكرة الغلبة.


