الأحد 10 مايو 2026 03:33 مـ 23 ذو القعدة 1447هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

آراء وكتاب

من حماية الأسرة إلى تفكيكها: ماذا يحدث في مشروع«قانون الأحوال الشخصية»؟

يأتي الجدل حول مشروع قانون الأحوال الشخصية في لحظة دقيقة، لا تتعلق فقط بتنظيم العلاقات الأسرية، بل بمدى التزام التشريع المصري بالتوازن الدستوري من جهة، وتعامله الحذر مع المرجعيات الدولية من جهة أخرى، دون الوقوع في فخ الاستنساخ أو الاختلال.

فالدستور المصري، في فلسفته الحاكمة، لم يترك مفهوم الأسرة فضفاضًا أو قابلًا للتجريب التشريعي، بل قرره باعتباره أساس المجتمع، وألزم الدولة بصونه وحمايته، مع ضمان التوازن بين أطرافه دون تمييز أو إخلال.

كما نص صراحة على المساواة أمام القانون، وعلى أن العقوبة شخصية، وأن الحرية لا تُمس إلا وفق ضرورة قانونية صارمة ومتناسبة.

لكن بعض المواد المثارة في مشروع القانون تطرح إشكالًا حقيقيًا في ضوء هذه المبادئ، خاصة حين يتم توسيع استخدام الأدوات الجنائية داخل نطاق النزاعات الأسرية، مثل قضايا “قائمة المنقولات”، بما قد يحول الخلاف المدني داخل الأسرة إلى مسار عقابي يصل إلى تقييد الحرية.

اقرأ أيضاً

وهنا يظهر السؤال الدستوري الجوهري:

هل يتوافق هذا التوجه مع مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة؟

وهل ينسجم مع الطبيعة الاستثنائية للعقوبة السالبة للحرية التي أكدها الدستور كأداة أخيرة وليس كوسيلة ضغط اجتماعي؟

في المقابل، لا يمكن قراءة هذه النصوص بمعزل عن السياق الدولي، خصوصًا في ظل المرجعية المتزايدة لبعض الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق المرأة والمساواة وعدم التمييز، والتي تدفع في اتجاه تعزيز الحماية القانونية للمرأة داخل الأسرة والمجتمع.

غير أن الإشكالية لا تكمن في الاتفاقيات ذاتها، بل في طريقة تحويلها من التزام دولي مرن إلى قوالب تشريعية جامدة تُطبّق دون مراعاة للخصوصية الاجتماعية والثقافية للنظام الأسري المصري.

فالاتفاقيات الدولية – في جوهرها – تضع مبادئ عامة، لكنها لا تلزم الدول بنسخ نماذج قانونية بعينها، بل تترك مساحة واسعة للتكييف بما يتفق مع الدستور الوطني والبنية الاجتماعية لكل دولة.

ومن هنا، فإن الإشكال الحقيقي في بعض مواد المشروع هو الانحياز الضمني لفلسفة ترى أن تحقيق “التوافق الدولي” يبرر أحيانًا إعادة تشكيل التوازن داخل الأسرة بصورة قد تميل عمليًا ضد أحد الأطراف، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى اتساق ذلك مع مبدأ المساواة الدستورية.

فالدستور لا يقر حماية طرف على حساب آخر، بل يقر حماية الأسرة كوحدة متكاملة، ويمنع خلق اختلال تشريعي يجعل أحد الأطراف في موقع دفاع دائم أو تهديد قانوني مستمر.

كما أن الواقع الاجتماعي يشير إلى أن تضخيم البعد العقابي داخل العلاقات الأسرية لا يؤدي إلى استقرار، بل إلى نتيجة عكسية تتمثل في زيادة التوتر، وتراجع الإقبال على الزواج، واهتزاز الثقة في المؤسسة الأسرية ذاتها.

إن القانون في نهاية المطاف ليس اختبارًا لمدى الالتزام بالشعارات الدولية، بل اختبار حقيقي لقدرته على ترجمة الدستور إلى عدالة متوازنة داخل المجتمع.

وإذا كانت الاتفاقيات الدولية تدعو إلى حماية الحقوق ومنع التمييز، فإن الدستور المصري يضيف بعدًا أكثر عمقًا: حماية الأسرة من التفكك التشريعي، وضمان ألا تتحول العدالة إلى أداة لإعادة إنتاج الصراع داخل البيت الواحد.

وعليه، فإن أي مشروع قانون للأحوال الشخصية لا ينجح لمجرد توافقه الظاهري مع المرجعيات الدولية، بل ينجح فقط حين يحقق معادلة دقيقة:

احترام الدستور أولًا،

وتحقيق العدالة المتوازنة بين الأطراف ثانيًا،

وصون الأسرة من التحول إلى ساحة نزاع قانوني دائم ثالثًا.

فالدول لا تُقاس بمدى تشدد قوانينها…

بل بمدى قدرتها على حماية الإنسان داخل أكثر مؤسساتها حساسية: الأسرة.

من حماية الأسرة إلى تفكيكها : ماذا يحدث في مشروع قانون الأحوال الشخصية