السبت 9 مايو 2026 03:04 صـ 22 ذو القعدة 1447هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

آراء وكتاب

مشروع قانون الاحوال الشخصية: حين يغيب الأب عن النص والحياة

ليست الكارثة في أن تخطئ القوانين، فكل التشريعات البشرية قابلة للنقد والتعديل، وإنما الكارثة الحقيقية حين يتحول الخطأ إلى فلسفة، والانحياز إلى نظام، والظلم إلى نصوص تُدار باسم “حماية الأسرة”.


وهنا تحديدًا يقف مشروع قانون الأحوال الشخصية المطروح اليوم؛ ليس باعتباره مشروعًا لتنظيم العلاقات الأسرية، بل باعتباره امتدادًا لفلسفة تشريعية مأزومة ترى الرجل متهمًا افتراضيًا، والأب مجرد ممول قانوني يمكن الاستغناء عن وجوده الإنساني ما دام يدفع المطلوب منه.

الدستور المصري، في مادته العاشرة، ينص بوضوح على أن الأسرة هي أساس المجتمع، وأن الدولة ملتزمة بالحفاظ على تماسكها واستقرارها.

لكن أي استقرار هذا الذي يُبنى على صناعة القطيعة بين الأب وأبنائه؟ وأي تماسك يتحقق بينما يُدفع الأب ـ بعد الطلاق ـ إلى هامش الحياة النفسية لأطفاله، ثم يُطلب منه أن يستمر في أداء دوره المالي فقط؟

اقرأ أيضاً

إن ما يطرحه الآباء المتضررون اليوم ليس تمردًا على حقوق المرأة، كما تحاول بعض الأصوات تصويره، بل احتجاج على اختلال عميق داخل فلسفة العدالة الأسرية نفسها.

فالأب في كثير من حالات الواقع العملي أصبح يؤدي كل الالتزامات، بينما يُجرّد تدريجيًا من أبسط حقوقه الإنسانية: حق التربية، وحق الوجود الطبيعي داخل حياة أبنائه، وحق ألا يُعامل باعتباره مشروع مجرم مؤجل.

ولهذا جاءت مطالب الآباء واضحة وصادمة في الوقت نفسه، لأنها تكشف حجم الأزمة التي تُدار بصمت منذ سنوات.


أول هذه المطالب هو إقرار “الاستضافة” بدلًا من الرؤية الشكلية الحالية، التي تحولت إلى مشهد عبثي لا يمت للأبوة بصلة. ساعات محدودة داخل نادٍ أو مركز شباب، تحت ضغط الوقت والإجراءات، وكأن الأب يحصل على تصريح مؤقت لزيارة غرباء، لا أطفاله.

كيف يمكن لعلاقة إنسانية بهذا العمق أن تُختزل في موعد أسبوعي بارد؟ وكيف يتحدث القانون عن “مصلحة الطفل” بينما يمنعه عمليًا من الحياة الطبيعية مع أبيه؟
المطلب الثاني يتعلق بالتنفيذ الحقيقي لأحكام الرؤية والاستضافة، لأن الأزمة لم تعد في النصوص فقط، بل في غياب إرادة قانونية جادة لحماية حق الطفل في التواصل مع والده.

فالدولة التي تمتلك أدوات قاسية لتحصيل النفقة والحبس والمنع والملاحقة، تبدو أقل حسمًا حين يتعلق الأمر بتنفيذ أحكام التواصل الأسري.

وهنا يفقد القانون حياده ويتحول إلى أداة ضغط على طرف واحد.

أما القضية الأخطر، والأكثر إثارة للغضب المجتمعي، فهي “قائمة المنقولات”، التي تحولت من وثيقة إثبات مدني إلى سيف جنائي مُسلط على رقاب آلاف الرجال.

فكيف يعقل، دستوريًا وقانونيًا، أن يتحول خلاف أسري أو نزاع على ممتلكات إلى جريمة خيانة أمانة قد تنتهي بحبس الأب وسجنه؟

أي فلسفة عدالة هذه التي تسمح بحبس إنسان بسبب قائمة أثاث؟

إن المادة 96 من الدستور المصري تؤكد أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة عادلة، لكن الواقع العملي في قضايا القايمة خلق حالة من العقاب المسبق والابتزاز القانوني والاجتماعي، حيث يتحول الرجل ـ بمجرد انهيار العلاقة الزوجية ـ إلى متهم جاهز للحبس، حتى لو كان النزاع مدنيًا في جوهره.


الآباء المتضررون يرفضون استخدام قائمة المنقولات كأداة عقابية أو وسيلة انتقام بعد الطلاق، ويطالبون بإعادتها إلى إطارها المدني الطبيعي، بعيدًا عن العقوبات الجنائية والحبس.

لأن الزج بالآباء في السجون بسبب خلافات أسرية لا يحمي الأسرة، بل يحطم ما تبقى منها، ويترك الأطفال بين أب مسجون وأم غارقة في معركة قضائية لا تنتهي.

والسؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح: كيف تدّعي الدولة حماية الطفل، بينما تسمح بقوانين قد تنتهي بحرمانه من أبيه خلف القضبان بسبب نزاع على منقولات؟

إن حبس الأب في قضايا القايمة ليس انتصارًا للعدالة، بل اعتراف صريح بفشل المنظومة في إدارة النزاعات الأسرية بصورة إنسانية ودستورية.

فالدولة الحديثة لا تُعالج الانهيار الأسري بمنطق العقوبات الانتقامية، بل بمنطق الإصلاح والتوازن وحماية الروابط الإنسانية، خصوصًا حين يكون الأطفال هم الضحية الأولى.

الأخطر أن كل هذه الاختلالات تُقدَّم للرأي العام تحت لافتة “الانتصار للمرأة”، وكأن العدالة لا تتحقق إلا بإنتاج ظلم مضاد.

بينما الحقيقة التي يتجاهلها الجميع أن القانون حين يفقد توازنه، لا يظلم الرجل وحده، بل يهدم فكرة الأسرة نفسها، ويزرع داخل المجتمع أجيالًا مشوهة نفسيًا وعاطفيًا.

إن الأسرة ليست معركة لإذلال الأب، كما أنها ليست ساحة لإلغاء الأم.

والطفل لا يحتاج إلى طرف منتصر وآخر منكسر، بل يحتاج إلى بيئة متوازنة تحفظ له حقه الطبيعي في والدين حاضرين، لا والدٍ خلف القضبان ووالدةٍ داخل حرب قضائية مفتوحة.

لهذا فإن مشروع قانون الأحوال الشخصية، إذا أراد فعلًا حماية المجتمع، يجب أن يبدأ من مراجعة فلسفته بالكامل: فلسفة ترى الأب شريكًا لا خصمًا، وترى العدالة توازنًا لا انتقامًا، وترى الأسرة كيانًا إنسانيًا لا ملفًا جنائيًا.

أما استمرار التشريع في التعامل مع الرجل باعتباره متهمًا دائمًا، ومع الأبوة باعتبارها التزامًا ماليًا فقط، فلن ينتج مجتمعًا أكثر عدلًا، بل مجتمعًا أكثر غضبًا وانقسامًا وانهيارًا.

مشروع قانون الاحوال الشخصية : حين يغيب الأب عن النص والحياة