الجمعة 8 مايو 2026 10:36 مـ 21 ذو القعدة 1447هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

آراء وكتاب

دكتورة فاتن فتحي

دكتورة فاتن فتحي تكتب: صيدلية الرصيف.. الخطر الذي يهدد حياة المسنين وأصحاب الأمراض المزمنة

لم تعد ظاهرة بيع الأعشاب والأدوية غير المرخصة على الأرصفة مجرد مشهد عابر في الأسواق الشعبية، بل أصبحت خطرًا صحيًا متصاعدًا يهدد حياة ملايين المواطنين، خاصة كبار السن ومرضى الأمراض المزمنة الذين يقعون يوميًا فريسة لوصفات مجهولة المصدر، وعقاقير مهربة، وخلطات عشبية تباع بلا رقابة أو ضوابط علمية، تحت شعارات خادعة مثل “العلاج الطبيعي” و”البديل الآمن” و”الشفاء بلا كيماويات”.
الخطورة الحقيقية لهذه الظاهرة لا تكمن فقط في غياب الترخيص أو الرقابة، وإنما في أن الضحية الأساسية لها هم المرضى الأكثر هشاشة صحيًا، وعلى رأسهم المسنون ومرضى السكر والضغط والقلب والكبد والكلى، وهي الفئات التي تعتمد أساسًا على جرعات دقيقة وأدوية منتظمة للحفاظ على استقرار حالتهم الصحية. أي تدخل دوائي مجهول أو عشبي غير محسوب قد يتحول بالنسبة لهم إلى كارثة صحية مفاجئة قد تنتهي بجلطة أو فشل كلوي أو هبوط حاد في الدورة الدموية أو حتى الوفاة.
منظمة الصحة العالمية تؤكد أن دواءً واحدًا من كل عشرة أدوية متداولة في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل يكون مغشوشًا أو غير مطابق للمواصفات، وهي نسبة تعكس حجم الكارثة الصحية التي تتسلل إلى الأسواق غير الرسمية. الأخطر أن كثيرًا من هذه المنتجات يتم تداوله بعيدًا عن أعين الجهات الرقابية، سواء عبر الأرصفة أو من خلال صفحات إلكترونية وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي تدّعي تقديم “علاجات طبيعية” لأمراض مزمنة معقدة مثل السكري والضغط والضعف الجنسي وأمراض المفاصل.
وفي مصر، كشفت بيانات رسمية حديثة عن ضبط عشرات المنشآت غير المرخصة ومصادرة أدوية ومستحضرات مجهولة المصدر بملايين الجنيهات، بعد حملات تفتيش موسعة نفذتها هيئة الدواء المصرية. كما تم ضبط آلاف المخالفات المتعلقة بأدوية مهربة وغير مسجلة ومستحضرات عشبية مجهولة التركيب تباع للمواطنين باعتبارها علاجات آمنة، بينما هي في الحقيقة قنابل صحية موقوتة.
الأطباء يحذرون من أن المسنين هم الفئة الأكثر تعرضًا للخطر، لأن كبار السن غالبًا ما يتناولون أكثر من دواء في الوقت نفسه لعلاج أمراض متعددة، وهو ما يعرف طبيًا بـ”تعدد الأدوية”. هذه الحالة تجعل أجسامهم شديدة الحساسية لأي مادة إضافية غير معروفة. فعلى سبيل المثال، بعض الأعشاب المتداولة لعلاج “خشونة المفاصل” أو “تنشيط الدورة الدموية” قد تتفاعل مع أدوية السيولة والقلب، فتؤدي إلى نزيف داخلي خطير أو اضطراب قاتل في ضربات القلب. كما أن بعض الخلطات التي يروج لها لعلاج السكري قد تسبب هبوطًا حادًا في مستوى السكر يؤدي إلى فقدان الوعي أو الدخول في غيبوبة.
الخطورة تتضاعف لدى مرضى الكلى والكبد، لأن هذه الأعضاء هي المسؤولة عن تنقية الجسم من السموم والمواد الدوائية. وعندما يتناول المريض مستحضرات مجهولة المصدر أو أعشابًا غير مدروسة، فإن الكبد والكلى يتحملان العبء الأكبر، ما قد يؤدي إلى تدهور سريع في وظائفهما. كثير من الأطباء يؤكدون أن عددًا من حالات الفشل الكبدي والكُلوي المفاجئ يرتبط بتناول وصفات عشبية أو أدوية مجهولة تم شراؤها من خارج المنظومة الدوائية الرسمية.
الأمر لا يتوقف عند الأعشاب فقط، بل يمتد إلى أدوية مهربة يتم تخزينها في ظروف غير مناسبة، أو منتهية الصلاحية يعاد تغليفها وبيعها من جديد. هذه الأدوية قد تفقد فعاليتها بالكامل أو تتحول إلى مواد سامة، خاصة إذا تعرضت لدرجات حرارة مرتفعة أو جرى تداولها بطرق غير صحية. والمسن أو المريض المزمن غالبًا لا يملك رفاهية التجربة، لأن أي خلل بسيط في العلاج قد يطيح باستقرار حالته الصحية بالكامل.
المثير للقلق أن كثيرًا من ضحايا “صيدلية الرصيف” يلجأون إليها بسبب الظروف الاقتصادية وارتفاع أسعار بعض الأدوية أو نقصها أحيانًا، فيصبح البائع الجائل أو الصفحة المجهولة على الإنترنت بديلًا سريعًا وسهلًا. لكن هذا “البديل الرخيص” يتحول في النهاية إلى تكلفة صحية باهظة، لأن المريض قد ينتهي به الأمر داخل غرفة العناية المركزة نتيجة مضاعفات كان يمكن تجنبها بالكامل.
تقارير طبية دولية حذرت أيضًا من أن بعض المستحضرات العشبية غير المرخصة تحتوي سرًا على مواد دوائية حقيقية يتم إضافتها لزيادة التأثير السريع وإقناع المريض بفاعلية المنتج. المشكلة أن هذه المواد تضاف دون تحديد الجرعات أو ذكرها على العبوة، ما يعني أن المريض يتناول أدوية مجهولة دون إشراف طبي. وقد تم اكتشاف منتجات عشبية تحتوي على كورتيزون أو منشطات أو أدوية للسكر والضغط بتركيزات خطيرة، وهو ما يفسر تعرض بعض المرضى لمضاعفات حادة بعد استخدامها.
الجانب النفسي يلعب دورًا خطيرًا في انتشار الظاهرة، خاصة بين كبار السن الذين ينجذب كثير منهم لفكرة “العلاج الطبيعي الآمن”، أو يصدقون روايات عن وصفات شعبية “تشفي من كل الأمراض”. هذا الاستغلال العاطفي يجعل المريض يتوقف أحيانًا عن أدويته الأساسية ويستبدلها بخلطات غير معروفة، لتبدأ رحلة التدهور الصحي التدريجي دون أن يدرك حجم الخطر إلا بعد فوات الأوان.
المواجهة الحقيقية لهذه الظاهرة لا يمكن أن تعتمد فقط على الحملات الرقابية، رغم أهميتها، بل تحتاج إلى وعي مجتمعي واسع بخطورة تناول أي دواء أو عشبة من مصدر غير موثوق. كما تتطلب تشديد العقوبات على المتاجرين بصحة الناس، وتكثيف الرقابة على البيع الإلكتروني، وضمان توافر الأدوية الأساسية بصورة مستقرة، لأن غياب الدواء الرسمي يفتح الباب تلقائيًا أمام السوق السوداء.
ونؤكد هنا وتحذر بشدة أن العشوائية في تناول الأعشاب والأدوية غير المرخصة تمثل خطرًا بالغًا على مرضى الأمراض المزمنة، لأن هذه الفئات تعتمد على توازن دقيق في العلاج والجرعات اليومية للحفاظ على استقرار وظائف الجسم. فمريض الضغط قد يتعرض لارتفاع مفاجئ أو هبوط حاد في ضغط الدم نتيجة خلطات عشبية تؤثر على الدورة الدموية، بينما قد يدخل مريض السكر في غيبوبة بسبب مستحضرات مجهولة تحتوي على مواد تخفض السكر بصورة غير محسوبة.
أما مرضى القلب والجلطات والأوعية الدموية فهم الأكثر عرضة للخطر، لأن بعض الأعشاب أو الأدوية المهربة قد تتداخل مع أدوية السيولة والقلب، فتؤدي إلى نزيف داخلي أو جلطات مفاجئة أو اضطراب خطير في ضربات القلب. وتزداد الأزمة خطورة لدى المسنين بسبب ضعف وظائف الكبد والكلى مع التقدم في العمر، ما يقلل قدرة الجسم على التخلص من السموم والمواد الدوائية الزائدة، ويجعل أي خطأ علاجي أو وصفة مجهولة سببًا مباشرًا في تدهور وظائف أجهزة الجسم الحيوية وحدوث مضاعفات قد تصل إلى الفشل الكلوي أو الكبدي أو السكتات القلبية والدماغية.
هذه المخاطر تفرض ضرورة تحرك واسع من أجهزة الدولة الرقابية والتثقيفية لمواجهة الظاهرة قبل تحولها إلى تهديد صحي أكبر. المطلوب ليس فقط تكثيف الحملات على أماكن بيع الأدوية والأعشاب غير المرخصة، وإنما أيضًا تشديد الرقابة على صفحات البيع الإلكتروني والإعلانات المضللة التي تستهدف المرضى وكبار السن، مع تغليظ العقوبات على كل من يتاجر بصحة المواطنين خارج الإطار القانوني.
في الوقت نفسه، تصبح المؤسسات الصحية والإعلامية والدينية والتعليمية مطالبة بإطلاق حملات توعية مستمرة تشرح للناس خطورة التداوي العشوائي، وتؤكد أن “الطبيعي” ليس دائمًا آمنًا، وأن أي علاج يجب أن يكون تحت إشراف طبي. كما أن توفير الأدوية الأساسية بصورة مستقرة، ودعم برامج التثقيف الصحي للمسنين ومرضى الأمراض المزمنة، يمثلان خط الدفاع الحقيقي لحماية هذه الفئات من الوقوع ضحية لوهم العلاج الرخيص أو السريع الذي قد ينتهي بكارثة صحية لا يمكن تداركها.
وفي النهاية، تبقى “صيدلية الرصيف” أكثر من مجرد تجارة مخالفة للقانون، إنها خطر صحي صامت يتسلل إلى البيوت تحت ستار العلاج، لكنه في الحقيقة قد يتحول إلى سبب مباشر في تدهور صحة المسنين ومرضى الأمراض المزمنة، الذين لا تحتمل أجسادهم أي مغامرة دوائية أو وصفات مجهولة المصدر. وبين علبة دواء مهربة وخلطة عشبية غير معلومة المكونات، قد تكون حياة مريض كامل معلقة على رصيف بلا ضمير.