محمد وائل يكتب :شباب مصر.. بين ”فخ” الاستشراف الحزبي وضياع فرص التمكين الحقيقي
يعيش المشهد السياسي المصري حالة من التناقض الصارخ؛ فبينما تضج المنصات الرسمية بالشعارات البراقة عن "تمكين الشباب" وكونهم "وقود المستقبل"، تكشف كواليس الواقع عن فجوة تزداد اتساعاً أدت إلى حالة من "العزوف السياسي" المقلق. هذا العزوف ليس مجرد "زهد" في العمل العام، بل هو صرخة احتجاج صامتة ضد واقع سياسي حوّل الشاب من "صانع قرار" إلى "ديكور للمؤتمرات" أو "أداة للحشد" تنتهي صلاحيتها بانتهاء يوم الاقتراع.
أحزاب "الموسم الواحد": شباب للحشد.. لا للقيادة
الأزمة الحقيقية تبدأ من داخل الأروقة الحزبية الكبرى، التي تعاني من خلل بنيوي في فهم دور الشباب. لقد تحول الشباب في بعض هذه الكيانات إلى ما يشبه "العمالة المؤقتة"؛ يتم استدعاؤهم لملء المقاعد في المؤتمرات الضخمة، ولتصوير مشاهد "الزحام الشبابي" أمام اللجان الانتخابية، ومن ثمَّ يُلقى بهم في "ثلاجة النسيان" بمجرد إعلان النتائج.
إن غياب الاستثمار الطويل الأمد في الكوادر الشبابية الموهوبة، واختزال دورهم في "التخديم" على أجندات رجال الأعمال والممولين، حوّل الأحزاب من مدارس للسياسة إلى وكالات لتنظيم الفعاليات. الشاب الذي يمتلك الفكر والرؤية يجد نفسه "مهمشاً" ما لم يمتلك "الولاء المطلق" أو "النفوذ المالي"، مما يدفع الكفاءات الحقيقية للانسحاب، تاركة الساحة لمن يرتضون دور "الكومبارس".
فوبيا "المشاركة": عندما يصبح العمل العام مخاطرة
لا يمكننا عزل العزوف الشبابي عن المناخ العام الذي يتسم بـ "التضييق والتحجيم". ففي كثير من الأحيان، تصطدم الرغبة في المشاركة السياسية المستقلة بمخاوف أمنية وهواجس من الملاحقة. لقد أصبح "الخوف" هو المحرك الأساسي لقرار الكثير من الشباب بالبقاء في "منطقة الظل".
التجارب السابقة التي شهدت تضييقات على بعض التحركات الشبابية أثناء الفعاليات السياسية أو الانتخابات، خلقت حالة من "الرعب المنزلي". فاليوم، تمارس العائلات المصرية دور "الرقيب الذاتي" على أبنائها؛ فجملة "ابعد عن السياسة عشان مستقبلك" صارت هي الدستور السائد في البيوت المصرية. هذا القمع المعنوي والمادي يحرم الدولة من دماء جديدة وطاقات كانت كفيلة بإحداث نقلة نوعية في العمل العام.
استنزاف العقول لا استثمارها
إن ما يحدث حالياً هو عملية "تجريف" للكوادر السياسية الشابة. فبدلاً من أن يكون الحزب حاضنة لمشروعات قوانين ورؤى اقتصادية واجتماعية يطورها الشباب، صار مجرد "واجهة" تخدم مصالح ضيقة. عندما يرى الشاب أن مجهوده يُبذل فقط لتلميع صور رجال الأعمال أو لتمرير مصالح بعيدة عن طموحات جيله، فمن الطبيعي أن يفقد الإيمان بالعملية السياسية برمتها.
"السياسة التي تخشى الشباب، والأحزاب التي تستخدمهم كـ "أرقام"، هي كيانات تحكم على نفسها بالموت الإكلينيكي.. فالشباب لا يقادون بالوعود، بل بالمشاركة الحقيقية."
روشتة الإنقاذ: من "التخديم" إلى "التمكين"
إن استعادة ثقة الشباب تتطلب ثورة شاملة في العقلية الحزبية والأمنية:
على الأحزاب: التوقف عن معاملة الشباب كـ "كتلة تصويتية" فقط، وفتح مسارات حقيقية لتصعيد الكوادر الموهوبة للمواقع القيادية بعيداً عن سطوة المال.
على الدولة: توفير ضمانات حقيقية للمشاركة السياسية الآمنة، ورفع اليد عن التحجيم الذي يطال الأصوات الشابة المستقلة، لتبديد مخاوف الأهالي والشباب على حد سواء.
على المجتمع: إدراك أن العمل العام هو حق أصيل، وأن تهميش الشباب اليوم هو ضياع لمستقبل الوطن غداً.
ختاماً..
الشباب المصري ليس "عازفاً" بالوراثة، بل هو "منسحب" بقرار نتيجة واقع مرير. فإذا أردنا وطناً فتياً، علينا أولاً أن نحرر الشباب من "فخ الاستغلال" و"قيد الخوف"، ليعودوا كفاعلين حقيقيين لا مجرد ضيوف شرف في مشهد سياسي باهت.
محمد وائل امين
نائب رئيس اتحاد الشباب بحزب الوعي

