محمد صوفان: دراسة ترصد النقاش الرقمي حول انفجار مرفأ بيروت
كشفت دراسة أعدها الباحث الحاسوبي ومهندس البرمجيات محمد صوفان عن استمرار حضور انفجار مرفأ بيروت بقوة في النقاشات الرقمية المرتبطة بلبنان، مع تركّز الجزء الأكبر من المحتوى حول العدالة والمحاسبة وفشل مؤسسات الدولة، بعد ست سنوات على وقوع الانفجار.
واعتمدت الدراسة على تحليل 7,191 منشورًا وتعليقًا عامًا جُمعت من منصة إكس ومنتدى لبنان على منصة ريديت، خلال الفترة الممتدة من أغسطس 2024 إلى مايو 2026، وشملت محتوى باللغتين العربية والإنجليزية.
وهدفت الدراسة إلى معرفة الطريقة التي استمر من خلالها الانفجار في الظهور داخل الخطاب العام على الإنترنت، والموضوعات التي ارتبطت بذكراه بعد مرور سنوات على وقوعه، بدلًا من قياس الرأي العام اللبناني تجاه القضية.
انفجار مرفأ بيروت والعدالة في النقاش الرقمي
أظهرت النتائج أن 42.2% من المحتوى الذي خضع للتحليل تمحور حول العدالة غير المتحققة والإفلات من العقاب، لتشكل هذه الفئة النسبة الأكبر بين الموضوعات التي رصدتها الدراسة.
وركزت 29.5% من المنشورات والتعليقات على فشل الدولة والفساد والانهيار المؤسسي، ما رفع النسبة الإجمالية للمحتوى المرتبط بالعدالة وفشل الدولة إلى 71.7% من جميع السجلات التي شملها التحليل.
وتظهر هذه النتيجة أن ما يقارب ثلاثة أرباع النقاش الذي رصدته الدراسة لم يكن منصبًا بصورة أساسية على إحياء ذكرى الانفجار أو التعبير عن الحزن، وإنما على أسئلة تتعلق بالمسؤولية والمحاسبة ودور المؤسسات.
وفي المقابل، شكلت المنشورات المرتبطة بإحياء ذكرى الانفجار 12% من البيانات، بينما بلغ المحتوى الذي ركز على الحزن الشخصي والصدمات والخسائر 11.8%.
كما شكّل الحديث عن فقدان المستقبل والهجرة 3.2% من المحتوى، فيما ظهرت موضوعات مرتبطة بالتعب من الذاكرة أو النسيان في نحو 1.2% فقط من السجلات.
ويبرز الفرق بين هذه الفئات طبيعة الذاكرة الرقمية التي رصدتها الدراسة، إذ بقيت قضية الانفجار مرتبطة بصورة أكبر بالعدالة والمؤسسات مقارنة بالمحتوى الذي تناولها كذكرى إنسانية أو حدث أصبح جزءًا من الماضي.
تحقيق انفجار مرفأ بيروت يعود إلى الواجهة
تأتي نتائج الدراسة في وقت شهد فيه التحقيق القضائي في انفجار المرفأ تطورات جديدة بعد سنوات من التعطيل والنزاعات القانونية.
وكان الانفجار الذي وقع في 4 أغسطس 2020 قد أدى إلى مقتل أكثر من 200 شخص وتدمير مناطق واسعة من العاصمة اللبنانية، فيما واجه التحقيق في أسبابه والمسؤوليات المرتبطة به عراقيل سياسية وقانونية متكررة خلال السنوات التالية.
وفي أواخر مارس 2026، قدم المحقق العدلي القاضي طارق البيطار تقريره التحقيقي إلى النيابة العامة. ونقلت وكالة رويترز عن مسؤول قضائي مطلع على التحقيق أن التقرير تضمن اتهامات بحق 70 شخصًا في جرائم مختلفة مرتبطة بالانفجار.
وبحسب الوكالة، من المنتظر أن يعد البيطار القرار الاتهامي العلني بعد تلقي رد النيابة العامة، وهو القرار الذي سيكشف أسماء المتهمين ويمهد لمرحلة المحاكمة.
ويضيف هذا التطور سياقًا جديدًا للنتيجة المركزية التي توصل إليها صوفان، إذ جاءت البيانات التي حللها خلال فترة كان فيها غياب المحاسبة أحد أبرز العناصر المستمرة في قضية المرفأ
مسار التحقيق
مر التحقيق القضائي في انفجار مرفأ بيروت بمراحل طويلة من التعطيل قبل أن يشهد تحركًا جديدًا خلال عامي 2025 و2026. ووفق هيومن رايتس ووتش، كان التحقيق قد أصبح معطلًا بصورة فعلية منذ ديسمبر 2021، وسط سلسلة من الدعاوى والاعتراضات القضائية التي استهدفت المحقق العدلي القاضي طارق البيطار ومسار التحقيق.
وفي يناير 2023، حاول البيطار استئناف عمله بعد فترة من التوقف، إلا أن الخطوة اصطدمت بخلاف قضائي مع النائب العام التمييزي آنذاك غسان عويدات، الذي اتخذ إجراءات أدت مجددًا إلى وقف التحقيق. واستمرت حالة الجمود بعد ذلك لنحو عامين، في وقت بقيت فيه مسألة تحديد المسؤوليات عن الانفجار من أبرز الملفات القضائية العالقة في لبنان.
وبدأ المسار يتغير مطلع عام 2025، عندما استأنف البيطار التحقيق واستدعى مسؤولين وموظفين وعناصر أمن إضافيين للاستماع إليهم في القضية. وجاء ذلك بالتزامن مع تعهدات من الرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام بدعم مسار العدالة والمحاسبة في ملف المرفأ.
وفي أواخر مارس 2026، انتقل التحقيق إلى مرحلة جديدة بعدما قدم البيطار تقريره التحقيقي إلى النيابة العامة. ونقلت رويترز عن مسؤول قضائي لبناني مطلع على الملف أن التقرير تضمن اتهامات بحق 70 شخصًا بجرائم مختلفة مرتبطة بالانفجار، على أن يلي رد النيابة العامة إعداد القرار الاتهامي العلني الذي يتضمن أسماء المتهمين ويفتح الطريق أمام مرحلة المحاكمة.
وتمنح هذه التطورات خلفية قضائية مهمة للفترة التي تغطيها دراسة محمد صوفان، إذ تزامن جزء كبير من البيانات مع انتقال ملف الانفجار من سنوات من التعطيل إلى عودة النشاط القضائي، في وقت بقيت فيه أسئلة المسؤولية والمحاسبة حاضرة في النقاش العام حول القضية..
دراسة محمد صوفان تقارن بين إكس وريديت
لم يقتصر الاتجاه الذي رصدته الدراسة على منصة واحدة، إذ ظهر تقارب واضح في النتائج بين إكس وريديت رغم الاختلاف في طبيعة الجمهور وطريقة استخدام كل منصة.
وشكل المحتوى المرتبط بالعدالة وفشل الدولة مجتمعتين نحو 72% من السجلات على منصة إكس، مقابل نحو 70% على ريديت.
وظهر نمط مشابه عند مقارنة اللغات المستخدمة في المنشورات على منصة إكس، حيث بلغت النسبة نحو 73% في المنشورات العربية، مقابل 69% في المنشورات باللغة الإنجليزية.
ويشير هذا التقارب إلى أن النتيجة الرئيسية لم تقتصر على منصة معينة أو مجموعة لغوية واحدة، بل ظهرت عبر أكثر من بيئة رقمية شملها التحليل.
وكان محمد صوفان قد نشر نتائج الدراسة وتحليلها في مقال على يوراسيا ريفيو في 4 أغسطس 2026، وكتب في المقال، في ترجمة لما أورده:
«بعد ست سنوات على انفجار مرفأ بيروت، لا يزال النقاش عبر الإنترنت متمحورًا حول ما لم يحدث: المحاسبة.»
وتعكس هذه العبارة النتيجة الرئيسية للبيانات، حيث ظل الحديث عن المسؤولية والعدالة وفشل مؤسسات الدولة أكثر حضورًا من أشكال التذكر الأخرى التي تناولتها الدراسة.
تحليل آلاف المنشورات عن انفجار المرفأ
اعتمدت الدراسة على نظام تصنيف منظم لتوزيع المنشورات والتعليقات على ست فئات رئيسية مرتبطة بطريقة تذكر الانفجار ومناقشته.
واستُخدمت نماذج لغوية كبيرة للمساعدة في عملية التصنيف، إلى جانب مراجعة بشرية للتحقق من النتائج، فيما جرى استبعاد السجلات التي تعذر تصنيفها بصورة واضحة ضمن إحدى الفئات المعتمدة.
وشملت البيانات منشورات عامة باللغتين العربية والإنجليزية على منصة إكس، إضافة إلى المنشورات والتعليقات العامة في منتدى لبنان على منصة ريديت.
وفي الوقت نفسه، وضعت الدراسة حدودًا واضحة لتفسير النتائج، مؤكدة أنها لا تمثل استطلاعًا للرأي العام اللبناني ولا يمكن استخدامها للقول إن النسب نفسها تعكس مواقف اللبنانيين ككل.
فالتحليل يصف الخطاب العام الذي ظهر ضمن البيانات التي أمكن جمعها من المنصات المشمولة بالدراسة، بينما لا يتضمن المنشورات الخاصة أو المحتوى المحذوف أو المواد التي لم تظهر ضمن عمليات البحث المستخدمة في جمع البيانات.
الذاكرة الرقمية والمحاسبة بعد انفجار بيروت
تشير الدراسة في خلاصتها إلى أن مرور السنوات لم يحول انفجار مرفأ بيروت، داخل العينة الرقمية التي جرى تحليلها، إلى حدث يُستعاد أساسًا من زاوية الذكرى أو الحزن.
وبدلًا من ذلك، استمر حضور الانفجار باعتباره قضية مرتبطة بالمسؤولية والعدالة وأداء مؤسسات الدولة، وهو ما انعكس في هيمنة هذين المحورين على أكثر من سبعة من كل عشرة سجلات شملها التحليل.
وتخلص النتائج إلى أن التذكر الرقمي يمكن أن يؤدي دورًا يتجاوز إحياء ذكرى الكارثة، ليصبح أيضًا مساحة يستمر من خلالها طرح أسئلة المحاسبة والمسؤولية حتى بعد مرور سنوات على وقوع الحدث.

