قانون الأحوال الشخصية الجديد بين طموح التجديد ومزالق الصياغة
بقلم: محمد خلف حسن المحامي بالنقض
حين تضطرب البيوت تضطرب الأوطان، وحين يختل ميزان الأسرة يختل معه ميزان المجتمع بأسره.
ولعل أشد اللحظات حساسيةً في تاريخ أي أمة هي تلك التي يجلس فيها المشرّع ليكتب بيده قانوناً يدخل بيوت الناس ويمس أعمق علاقاتهم وأكثرها خصوصية؛ علاقة الزوج بزوجته، والأب بأبنائه، والأسرة بكيانها. فقانون الأحوال الشخصية ليس مجرد نصوص تُطبع في الجريدة الرسمية، بل هو ميثاق اجتماعي يُكتب بمداد الحكمة أو يُحفر بسكين الإجحاف.
لا يعد قانون الأحوال الشخصية مجرد مجموعة من القواعد المنظمة للأسرة بل هو المرآة التي تعكس استقرار المجتمع وهيبة نصوصه القانونية ومع اقرار مشروع القانون الجديد لعام 2026، يبرز تساؤل جوهري في الأوساط القانونية: هل استطاع المشرع صياغة نصوص "محايدة" تضمن العدالة للرجل والمرأة والطفل دون جور طرف على آخر؟
أم أن الصياغة غلبت عليها "النزعة الحمائية" لطرف على حساب استقرار المراكز القانونية للطرف الآخر؟
اولا : "الكد والسعاية".. بين الحقوق الشرعية وضبابية الإثبات
إن إقرار حق الزوجة في "الكد والسعاية" خطوة تاريخية ولكن من منظور القانون المدني وعبء الإثبات نجد أن الصياغة قد تفتح باباً واسعاً للنزاعات الكيدية النقد الموجه هنا هو:
عدم وضع معايير كافية واضحة لتقدير "المساهمة"
إغفال النص لكيفية التعامل مع "المساهمة المعنوية" مقابل "المساهمة المادية"
إن غياب "الدليل الرقمي أو الوثائقي" في الصياغة قد يؤدي إلى إرهاق محاكم الأسرة بسلسلة لا تنتهي من التحقيقات والشهود، مما يضر بمبدأ "العدالة الناجزة"
ثانيا: التوازن المفقود في ترتيب الحضانة
أعاد القانون ترتيب الأب في الحضانة وهو أمر مستحسن، لكن النقد القانوني يكمن في "الاشتراطات المقيدة" فوضع الأب في مرتبة متأخرة خلف الجدات (في بعض المقترحات) أو وضع قيود مشددة على الأب المتزوج (بينما لا تعامل الأم بنفس الحدة في بعض الحالات) قد يعد إخلالاً بمبدأ المساواة أمام القانون الذي كفله الدستور. إن العدالة تقتضي ألا يُعامل الأب كمحض "صراف آلي" بل كشريك أصيل في التربية والرقابة
رابعاً: "الاستحقاقات المالية" ومخاطر العوار الدستوري
توسعت المسودة في فرض رسوم وصناديق لدعم الأسرة ومن الناحية القانونية الصرفة يجب الحذر من أن تتحول هذه الرسوم إلى "أعباء مالية" تعيق الحق في الزواج أو تؤدي إلى "التمييز الطبقي" في التقاضي الصياغة يجب أن تكون دقيقة في تحديد مصادر التمويل بما لا يخالف المبادئ الدستورية المتعلقة بـ "الملكية الخاصة" و"حرية التعاقد"
الخلاصــــــــــــــة
إن جودة القانون لا تقاس بنبل أهدافه بل بدقة نصوصه وقدرتها على الصمود أمام التطبيق الواقعي إننا بحاجة إلى قانون "متوازن" يدرك أن الأسرة ليست ساحة حرب بل هي وحدة واحدة إن الانحياز التشريعي لأي طرف مهما كانت المبررات الاجتماعية سيؤدي بالضرورة إلى خلل بنيوي في المجتمع الأمل معقود على "مجلس النواب" في ضبط هذه الصياغات لتكون حصناً للجميع لا سيفاً مسلطاً على رقبة طرف دون الآخر.
وفي المحصلة، لا تُبنى الأسر بالمواد القانونية وحدها، ولا تهدمها إلا حين تتحول تلك المواد إلى معاول يضرب بها طرف الآخر في قاعة المحكمة. فالقانون العادل هو الذي لا يرى في المرأة ضعيفةً تحتاج وصاية، ولا في الرجل خصماً يستحق العقوبة، ولا في الطفل غنيمةً تتنازعها الأيدي؛ بل يرى فيهم جميعاً أسرةً واحدة جديرة بالحماية والكرامة.
والأمل لا يزال قائماً ما دامت الأقلام الحرة تكتب والعقول الرشيدة تقرأ وتتدبر، لأن فرصة تصحيح النص قبل التطبيق أهون ألف مرة من إصلاح الضرر بعد وقوعه، وما الحقيقة إلا أمانة في أعناق من يملكون القلم والقرار معاً.


