الثلاثاء 5 مايو 2026 12:13 مـ 18 ذو القعدة 1447هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

آراء وكتاب

الأب في مشروع الأحوال الشخصية: من مركز الولاية إلى هامش التنظيم

في تاريخ التشريعات ، لا تُقاس القوانين بمدى انضباط عباراتها، بل بعمق تصورها للإنسان .

ومشروع قانون الأحوال الشخصية المقدم من الحكومة يقدّم نموذجاً دالاً على هذا التحول: انتقال هادئ من فلسفة “الأسرة كوحدة تكامل” إلى “الأسرة كعلاقة قابلة للإدارة”.

وهنا تحديداً، يتغير موقع الأب.

---

اقرأ أيضاً

من الولاية إلى التنظيم

في البناء القانوني القائم، وعلى الرغم من ما يعتريه من قصور، يظل الأب جزءاً من معادلة الولاية، أي فاعلاً في القرار، ومساهماً في توجيه المسار الأسري.

أما المشروع الجديد، فينقل العلاقة إلى مستوى مختلف:

لا يُلغى دور الأب صراحة، لكنه يُعاد تعريفه ضمن حدود تنظيمية، تجعل حضوره أقرب إلى “حق مُنظَّم” منه إلى “دور أصيل”.

هذا التحول ليس لغوياً، بل فلسفي في جوهره.

إنه ينقل الأب من مركز الفعل… إلى إطار الضبط.

---

تفكيك العلاقة بين المسؤولية والسلطة

من المبادئ المستقرة في النظرية القانونية أن المسؤولية تقابلها سلطة.

غير أن المشروع، في بنيته العامة، يفكك هذا التلازم.

فالأب يظل مُلزماً بالإنفاق والرعاية المادية، لكن في المقابل، تُعاد صياغة علاقته بأبنائه ضمن قيود تنظيمية، خاصة في حالات الانفصال، حيث تُختزل العلاقة في أطر زمنية محددة لا تعكس طبيعتها الممتدة.

وهنا يظهر الخلل:

مسؤولية ممتدة… وسلطة محدودة.

وهو اختلال لا يُنتج توازناً، بل يُعيد توزيع الأدوار على نحو غير متكافئ.

---

من الثقة إلى الافتراض الوقائي

القانون الرشيد يُبنى على القاعدة العامة، لا على الاستثناء.

غير أن المشروع يميل – في صياغاته – إلى افتراض الحاجة إلى ضبط العلاقة مع الأب، وكأن الأصل فيها قابلية الانحراف.

هذا الانتقال من منطق الثقة إلى منطق الاحتراز يعكس تحوّلاً في فلسفة التشريع:

حيث لا يُنظَّم الفعل بعد وقوعه، بل يُقيَّد قبل حدوثه.

وهنا يتحول القانون من إطار تنظيمي… إلى آلية تحكم.

---

العلاقة الأبوية بين الطبيعة والإجراء

العلاقة بين الأب وأبنائه ليست علاقة تعاقدية، بل وجودية، تتشكل عبر التفاعل اليومي، لا عبر الجداول الزمنية.

لكن حين يُعاد إدخال هذه العلاقة في قوالب تنظيمية صارمة، فإن القانون لا يضبطها فحسب، بل يعيد تشكيلها.

وهنا يصبح الحضور الأبوي أقرب إلى “إجراء قانوني” منه إلى “تجربة معيشة”.

---

الأسرة: من وحدة تكامل إلى معادلة توازن

القانون القائم، رغم إشكالاته، لا يزال يفترض أن الأسرة وحدة، حتى في حالات التفكك.

أما المشروع الجديد، فيتعامل معها كمعادلة يجب إعادة توازنها بين أطراف متعددة.

هذا التحول ينعكس مباشرة على موقع الأب:

لم يعد ركناً ثابتاً في البناء، بل طرفاً في معادلة قابلة لإعادة الضبط.

---

إعادة تعريف صامتة

في محصلة الأمر، لا يُقصي المشروع الأب صراحة، لكنه يعيد تعريفه:

من صاحب ولاية… إلى صاحب التزام

من شريك في القرار… إلى طرف مُنظَّم

من حضور ممتد… إلى وجود مُقنَّن

وهذه إعادة تعريف لا تتوقف عند النص، بل تمتد إلى الوعي الاجتماعي.

---

خاتمة: عن العدالة بوصفها توازناً

العدالة ليست توزيعاً حسابياً للحقوق، بل توازناً وظيفياً بين الأدوار.

وأي إخلال بهذا التوازن، حتى لو جاء في صورة تنظيم، يظل إخلالاً في جوهره.

مشروع قانون الأحوال الشخصية، في صيغته الحالية، لا يبدو أنه يُعيد ضبط العلاقة بقدر ما يُعيد تعريفها على نحو يُضعف أحد أعمدتها.

والتشريع الذي يُضعف أحد أعمدة الأسرة، لا يُعيد بناءها… بل يعيد تشكيل اختلالها.

حين تتحول مطالب الآباء إلى صدى لا يُسمع، فالمشكلة ليست فيهم… بل في قانون يختار أن ينظر بعيداً عن الواقع.

الأب في مشروع الأحوال الشخصية من مركز الولاية إلى هامش التنظيم