عبد الحليم قنديل يكتب: نهايات حرب الأربعين يوما
الحالة ضبابية الآن ، توقف إطلاق النارعلى جبهة إيران بعد اتفاق طهران وواشنطن بوساطة باكستان ، الذى قضى بتعليق إطلاق النار لمدة أسبوعين ، تجرى خلالهما مفاوضات فى "إسلام أباد" على أساس النقاط الإيرانية العشر باعتراف الرئيس الأمريكى "دونالد ترامب" نفسه ، بينما رد "المجلس الأعلى للأمن القومى الإيرانى" بما يؤيد عموما ما جاء فى "إعلان ترامب" ، وتراجعه المفاجئ قبل 90 دقيقة من موعد تنفيذ الهجمة الساحقة الماحقة التى هدد بها إيران ، وتعهده البذئ بمحو حضارة إيران بكاملها ، والتدمير الشامل لبنية إيران التحتية المدنية من محطات طاقة وكهرباء ومياه وجسور وشبكات سكك حديدية ، وكان وقع تراجع "ترامب" غضبا مكتوما فى كيان الاحتلال "الإسرائيلى" ، الذى أبدى قادته تجاوبا فى وقف الهجمات والغارات على إيران ، بينما راح "بنيامين نتنياهو" رئيس وزراء العدو ينفس عن غضبه على جبهة لبنان ، ويأمر جيش الاحتلال بتنفيذ أعنف موجة غارات على كامل الأراضى اللبنانية ، ومن جنوب لبنان ومدينة "صور" إلى قلب العاصمة اللبنانية بيروت ، وشن مئة غارة همجية بخمسين طائرة فى عشر دقائق ، شملت كل أحياء بيروت السكنية الكبرى ومناطق جبل لبنان ، وبما يتعدى تركيز غارات العدوالاعتيادى على البيئة الاجتماعية لحزب الله فى "الضاحية الجنوبية" و"البقاع" والجنوب ، ويضيف مئات الشهداء والجرحى إلى أحزان لبنان فى غمضة عين ، رغم أن رئيس الوزراء الباكستانى "شهباز شريف" أعلن غداة الاتفاق عن طابعه الشمولى ، وأن وقف إطلاق النار المتفق عليه يشمل لبنان مع إيران .
وقد تسعى باكستان مع الوسطاء فى مصر وتركيا إلى الضغط على واشنطن ، ومطالبتها بردع التوحش "الإسرائيلى" فى لبنان ، وإن كان لا يبدو أن "ترامب" متحمس لضغط فورى على "نتنياهو" ، فالرئيس الأمريكى يعطى الأولوية لترتيب خروجه شخصيا من الحرب على إيران ، التى تورط فيها بتحريض من "نتنياهو" ، وتحت إغواء خوض عملية خاطفة تنتهى بإسقاط نظام الجمهورية الإسلامية فى إيران ، والبدء بقطع رأس النظام ممثلا بقائده الأعلى الراحل "على خامنئى" وعشرات من القادة العسكريين الكبار ، ثم تعهد "الموساد" الإسرائيلى بترتيب ثورة شعبية جماهيرية تخلع النظام من جذوره ، ثم أثبتت وقائع الحرب الأربعين يوما ، أن وعد الإسقاط السريع للنظام الإيرانى محض وهم وسراب ملون ، وأن النظام جدد نفسه فى نسخة أكثر راديكالية وحيوية وتشددا ، وصمد على نحو مذهل فى وجه عشرات آلاف الغارات الأمريكية و"الإسرائيلية" ، وراح يرد الضربات بثبات ، بل ويطور إمكاناته المتواضعة فى الدفاع الجوى ، وينجح فى إسقاط عدد من الطائرات الأمريكية ، ربما كان أشهرها واقعة إسقاط قاذفة "إف ـ 15" ، وما دار بعدها من ألغاز يكتنفها الغموض حول مصير طياريها .
راح "ترامب" يقيم الأفراح والليالى الملاح احتفالا بعملية إنقاذ "هوليودية" للطيار الأول ثم للطيار الثانى بالذات ، بينما كانت الرواية الإيرانية مختلفة ، وتحدثت عن الفشل الأمريكى فى عملية "أصفهان" ، حيث جرى إنزال قوات خاصة أمريكية لالتقاط مئات الكيلوجرامات من اليورانيوم الإيرانى المخصب بنسبة تفوق الستين بالمئة ، وأن دعوى البحث عن الطيار الأمريكى المفقود كانت مجرد قناع تمويه ، وأن القوات الإيرانية نجحت فى ضرب وتحطيم طائرتى الإنزال الأمريكى العملاقتين من طراز "130 ـ c" ، وإسقاط عدد آخر من طائرات الهيليكوبتر "بلاك هوك" ، وأن خروج عشرات الطائرات الأمريكية كان هروبا وليس نجاحا لعملية الإنقاذ المزعومة ، ويبدو أن صدمة الفشل جعلت "ترامب" يقرر التراجع بعد الوصول بعملية التصعيد إلى أعلى مدى ، وتجاوب "ترامب" مع عملية إبادة إيران ، التى شجعه عليها "نتنياهو" ، وأغراه باحتمالات نجاحها فى الخلاص خنقا من النظام الإيرانى ، ومعاقبة الشعب الإيرانى الذى تخلف عن القيام بدوره المرسوم "إسرائيليا" ، وصدمة خروج ملايين الإيرانيين لدعم النظام وقائده الجديد المتوارى "مجتبى خامنئى" ، ورغم إعلانات متكررة صدرت عن "ترامب" ، أعلنت النصر الساحق الصاخب لأكثر من عشرين مرة ، فإنه كان يعرف فى قراره نفسه أنه يكذب ، وأن نصرا ما لم يتحقق ، وأن خطط الغزو البرى التى عرضت عليه ستكون مهلكة للأمريكيين ، ووجد سبيل الخلاص على طريقته "البهلوانية" ، صعد بالتهديد اللفظى إلى أبعد مدى ، ثم نزل عن الشجرة العالية فى اللحظة الأخيرة ، وأعلن عن وقف النار الموقوت لأسبوعين وإجراء مفاوضات مع الإيرانيين على أساس نقاطهم العشر ، ورفع هذه المرة راية "فتح مضيق هرمز" ، التى كان تملص منها مرات فى تصريحات متعجرفة أهانت الحلفاء الآسيويين والأوروبيين .
ويبدو أن الإيرانيين أحرزوا نجاحا فى التفاوض السرى ، أو مايسمونه "تبادل الرسائل" مباشرة أو عبر الوسطاء ، وجعلوا قضية "مضيق هرمز" فى صدارة المشهد ، ومقابل توارى قضايا إسقاط النظام والبرنامجين النووى والصاروخى ، ومعروف أن "ترامب" كان قدم إطارا للتفاوض من 15 نقطة ، تتمحور فى أغلبها حول تجريد إيران من برنامجيها النووى والصاروخى ، وهو ما رفضه الجانب الإيرانى بالجملة ، واعتبر النقاط الأمريكية وصفة استسلام ، وقدموا للجانب الباكستانى الوسيط إطارا آخر للتفاوض من عشر نقاط ، ليس فيها ذكر للبرنامج الصاروخى باعتباره خارجا عن أى نقاش ، وبصفته أمرا من صميم السيادة الإيرانية ، ولم تذكر إيران فى نقاطها العشر شيئا عن برنامجها النووى ، اللهم سوى التأكيد على حقها فى تخصيب اليورانيوم على أراضيها ، وهو ما ذكره مجلس الأمن القومى الإيرانى فى تعقيبه المباشر على إعلان "ترامب" المتراجع عن الضربة الماحقة التى كانت موعودة ، وانصرفت أغلب نقاط الوصفة الإيرانية المنقولة للأمريكيين ـ عبر الوسطاء الباكستانيين بالذات ـ إلى اعتبارات أخرى ، على رأسها وقف الحرب بكاملها وعلى كافة الجبهات لا مجرد وقف إطلاق نار موقوت ، وتعهد أمريكا بعدم العودة أبدا لشن الحرب ، وإزالة كل العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران وعلى كافة المتعاملين معها ، واستصدار قرار من مجلس الأمن الدولى يقر برفع هذه العقوبات نهائيا ، وإدارة "مضيق هرمز" على نحو يعطى أولوية للسيادة الإيرانية عليه ، وربما بالتنسيق مع شركاء المضيق خاصة "سلطنة عمان" ، وتقديم تعويضات ضخمة لإيران ، والإفراج عن أموالها المجمدة فى الخارج ، وإقرار حق إيران ـ مع "عمان" أو بدونها ـ فى تحصيل رسوم على السفن وناقلات البترول والغاز العابرة للمضيق ، وهو ما بدا ظاهرا فى التعليق الفورى الرصين الذى صدر عن وزير الخارجية الإيرانى "عباس عراقجى" ، الذى أكد استعداد طهران لفتح المضيق بشرط التنسيق مع قواتها المسلحة ، وبدا الموقف الإيرانى متشجعا بمدواولات مجلس الأمن التى جرت فى ذات ليلة تراجع "ترامب" ، وشهدت استخدام الصين وروسيا لحق النقض "الفيتو" لإسقاط أى تلويح بتفويض قوة دولية لفتح المضيق الذى تتحكم به إيران ، كذا تصريحات أنطونيو جوتيريش" الأمين العام للأمم المتحدة ، الذى وصف اعتزام الهجوم على البنية التحتية المدنية الإيرانية بأنه "جريمة حرب" .
ومع كل هذه التطورات ، ودعم الصين المعلن للوساطة الباكستانية ، تراجع "ترامب" مرغما ، ومن وراء قناع البحث عن سلام دائم فى الشرق الأوسط ومع إيران ، وأعلن قبوله التفاوض على قاعدة المطالب الإيرانية العشرة ، واعتبرها أساسا عمليا قابلا للتفاوض ، وأعلن أنه يتحدث باسم أمريكا وكل أطراف الشرق الأوسط المتحالفة معها ، فيما بدا كانتصار إيرانى ظاهر فى اليوم الأربعين للحرب ، ولم تعلق أغلب دول الخليج المعنية ، فيما اتجهت "إسرائيل" لعرقلة الاتفاق ، وفصل جبهة لبنان عن جبهة إيران ، وساد الانطباع المتكرر عن سلوك واشنطن فى كل مرة تدخل ، وهو أن أمريكا تبيع الحلفاء والتابعين عند أقرب ناصية ، والتأكيد المضاف على قاعدة أن "المتغطى بالأمريكان عريان" ، فيما بدت إيران كمفاوض بارع ، تمد صمودها المذهل فى ميادين القتال إلى موائد المفاوضات ، وتنطلق من أولوية استقلالها الوطنى وحقوقها الثابتة فى دعم برامجها الدفاعية وصياغة العلاقات مع حلفائها ، ولم يعد من كلام أمريكى ولا "إسرائيلى" عن إسقاط النظام الإيرانى ، الذى أثبت تماسكه وصلابته وحيويته فى ميادين الخطر الكبرى ، ومع انتصار إيران ونجاتها من المحنة ، ذهب مشروع الشرق الأوسط "الإسرائيلى" فى خبر كان أو كاد .
وتبدو الصورة بعد أربعين يوم حرب ظاهرة بملامحها الأبرز ، فلم تنتصر أمريكا ولا "إسرائيل" ، ولم يتحقق للعدوان هدفه الأول المعلن فى إسقاط النظام الإيرانى أو استبداله ، وكان ذلك أمرا متوقعا عند كل عاقل ، ولم تنهزم إيران ولا خرجت من حلبة القتال وسياسة المنطقة ، حتى مع احتمال تجدد الحرب بعد هدنة الأسبوعين ومفاوضاتها التى قد تتعثر ، لكن ما جرى حتى اليوم ، يمنح الجانب الإيرانى ثقة مضافة فى خطته الأساسية ، ومقتضاها توسيع الحرب فى الجغرافيا وإطالة مداها الزمنى ، وخوض حرب استنزاف متصلة ضد العدوان الأمريكى "الإسرائيلى" .


