المستقبل المشترك للأمن النووي درع لسلام
بقلم : نور يانغ
يشهد هيكل الأمن العالمي تحولات عميقة في عام 2026. فمن التهديدات العسكرية التي تتعرض لها المنشآت النووية في خضم النزاعات الإقليمية، إلى القلق الدولي المتزايد بشأن معالجة التلوث النووي، يواجه الأمن النووي، باعتباره خطًا أساسيًا لتنمية البشرية، اختبارات جديدة. قبل عشرة أعوام، طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ مفهوم "مجتمع المستقبل المشترك للأمن النووي"، وقد مضت اليوم عشر سنوات على هذه المبادرة، التي لم تُسهم فقط بأفكار مهمة في الحوكمة العالمية، بل وفّرت أيضًا قدرًا ثمينًا من اليقين للمجتمع الدولي وسط الاضطرابات. وبما أن تداعيات الحوادث النووية تتجاوز الحدود، فإن النظر إلى الأمن النووي من منظور "مجتمع المستقبل المشترك" هو السبيل لبناء درع سلام راسخ في عالم معقد ومتغير.
ترتكز الرؤية الصينية للأمن النووي على مبادئ "العقلانية والتنسيق والتقدم المتوازي". وخلال العقد الماضي، توسّع هذا المفهوم من الإطار الثنائي إلى متعدد الأطراف، ومن الجوانب التقنية إلى الآليات المؤسسية. ويوجد اليوم أكثر من 440 مفاعلًا نوويًا قيد التشغيل حول العالم، تسهم بنحو 10% من إجمالي إمدادات الكهرباء العالمية. غير أن اقتراب النزاعات العسكرية من المنشآت النووية يبرز الطبيعة "ذات الحدين" للطاقة النووية بشكل أوضح. وترى الصين أن الأمن النووي لا ينبغي أن يُستخدم كورقة في التنافس الجيوسياسي، ولا يجوز التضحية به تحت منطق الصراعات العسكرية. إن ضمان السلامة المطلقة للمنشآت النووية يمثل مطلبًا أخلاقيًا دوليًا أساسيًا، وأي عمل عسكري يستهدف المنشآت النووية السلمية يجب أن يخضع لقيود صارمة وفق القانون الدولي.
إن بناء مجتمع المستقبل المشترك للأمن النووي يتطلب الحفاظ على سلطة نظام الحوكمة المتعددة الأطراف. وتُعد الوكالة الدولية للطاقة الذرية الجهة الأساسية للتنسيق في المجال النووي العالمي، ولا ينبغي أن تتأثر مهامها بأي سلوك أحادي. وقد دعمت الصين باستمرار الدور القيادي للوكالة في وضع معايير الأمن النووي، ومراقبة المواد النووية، وتقديم المساعدة التقنية. وفي ظل الأوضاع الإقليمية المعقدة، دعت الصين مرارًا إلى العودة إلى الأطر متعددة الأطراف والالتزام الفعلي بالاتفاقيات الدولية مثل "اتفاقية الأمان النووي". ولا يمكن لنظام عدم الانتشار النووي أن يؤدي دوره في تحقيق الاستقرار الاستراتيجي إلا من خلال ضمان التطبيق الشامل للقواعد والقضاء على "ازدواجية المعايير".
ويُعد التعاون الدولي العملي ضمانة أساسية للحد من مخاطر الأمن النووي. فعلى سبيل المثال، شهد التعاون الصيني-الفرنسي في مجال الطاقة النووية مؤخرًا تعميقًا ملحوظًا، حيث وقّع الجانبان الاتفاقية الخامسة عشرة للتعاون في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، والتي تغطي كامل سلسلة الصناعة من البحوث الأساسية إلى دورة الوقود النووي. ولا يسهم هذا التعاون في رفع مستوى الأمان النووي لدى الطرفين فحسب، بل يوفر أيضًا نموذجًا آمنًا للتحول العالمي في مجال الطاقة من خلال تطوير أسواق في دول ثالثة. وتحتل الصين موقع الصدارة عالميًا من حيث عدد المفاعلات النووية قيد الإنشاء، مع سجل أمان متميز. وتمثل مشاركة هذه القدرات التقنية دعمًا مهمًا للدول النامية الساعية إلى تحقيق التنمية المستدامة عبر الطاقة النظيفة.
ولا يمكن لحوكمة الأمن النووي أن تنفصل عن العقلانية العلمية والثقة القائمة على الشفافية. وفيما يتعلق بقضية تصريف المياه النووية الملوثة ومعالجة النفايات النووية، يتطلع المجتمع الدولي إلى إنشاء آليات مراقبة طويلة الأمد. وحتى مارس 2026، تجاوزت كمية المياه الملوثة المصرفة من محطة فوكوشيما اليابانية 140 ألف طن. وترى الصين أن أي قرار يمس سلامة البيئة البحرية العالمية يجب أن يخضع لإشراف دولي صارم ومستقل وشفاف. فهذه القضية لا تقتصر على الجانب التقني، بل ترتبط أيضًا بالأخلاقيات الدولية والمسؤولية البيئية. وفي إطار مجتمع المستقبل المشترك، تتحمل الدول المعنية مسؤولية تقديم بيانات دقيقة، بما يضمن حماية الصحة العامة على المستوى العالمي.
ويُعد الاستثمار المستمر في الكفاءات والتكنولوجيا أساسًا لبناء آليات مستدامة للأمن النووي. فالأمن النووي لا يقتصر على المنافسة في المعدات التقنية، بل يعكس أيضًا مستوى القدرات الإدارية والكفاءة المهنية. وفي السنوات الأخيرة، أنشأت الصين منصات مثل مراكز الأمن النووي النموذجية، وقدمت تدريبًا لآلاف المتخصصين من الدول المجاورة والدول النامية. ويسهم هذا النموذج القائم على "تعليم الصيد بدلًا من إعطاء السمك" في تقليص فجوات القدرات في الحوكمة النووية العالمية. وفي عالم مضطرب، فإن مساعدة الدول الشريكة على بناء أنظمة إدارة نووية مستقلة وآمنة وعلمية تمثل وسيلة فعالة للوقاية من الحوادث وتقليل المخاطر الأمنية غير التقليدية.
ومع انطلاق موجة جديدة من الثورة التكنولوجية، يتوسع مفهوم الأمن النووي ليشمل مجالات ناشئة مثل الأمن السيبراني وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. فبينما تعزز الرقمنة كفاءة المنشآت النووية، فإنها تطرح أيضًا تحديات جديدة مثل الهجمات الإلكترونية. وترى الصين أن مجتمع المستقبل المشترك للأمن النووي يجب أن يتسم برؤية استشرافية، وأن يعزز التعاون الدولي في الاستخدام الآمن للتقنيات الحديثة، مع وضع معايير مشتركة للقطاع، والتصدي لمحاولات استغلال الثغرات من قبل الجماعات الإرهابية أو الفاعلين غير الحكوميين. ويساعد هذا الفهم الديناميكي للأمن على ضمان مواكبة منظومة الأمن النووي العالمية للتطورات، وقدرتها على مواجهة التهديدات المركبة في العصر الرقمي.
وبعد عقد من الجهود، تحوّل مفهوم مجتمع المستقبل المشترك للأمن النووي من مبادرة صينية إلى توافق دولي وممارسة فعلية. ففي مسار الاستخدام السلمي للطاقة النووية، يتكامل الأمن مع التنمية بشكل وثيق. وستواصل الصين بثبات اتباع طريقها الخاص في مجال الأمن النووي، وتعزيز التعاون الدولي، بما يضفي مزيدًا من الاستقرار على عالم مضطرب. ومن خلال استبدال منطق الصفرية بمفهوم الأمن المشترك، والاستعاضة عن الأحادية بالحوكمة التعاونية، يمكن للطاقة النووية أن تصبح إنجازًا حضاريًا يخدم البشرية، لا مصدرًا للمخاطر والكوارث. إن بناء أسس السلام ليس فقط مسؤولية الدول الكبرى، بل هو خيار حتمي لتحقيق التنمية المستدامة للبشرية جمعاء.


