دنيا محسن تكتب : جريمة بلا سلاح...حين يقتل سوء الفهم وتكون القلوب الصادقة أول الضحايا
كان الاجتماع قد انتهى ، وخرجنا منه مثقلين بالكلام ، خفافًا بالضحك ، و دخلت أنا والفريق غرفة صغيرة، جلسنا نأكل أشياء بسيطة، نتقاسم اللقمة والكلمات، نمد أيدينا لبعض بلا حساب.
لم تكن تلك اللحظة استثنائية، و لكنها كانت صادقة بما يكفي لتُشبهنا كانت قلوبنا تتكلم بلا حذر في بساطتها عندنا اختبأت طمأنينة لا تُقال، وفي تفاصيلها الصغيرة
لم نكن نحاول أن نبدو أفضل من الأخر ، كنا فقط على حقيقتنا وهذا كان كافيًا تمامًا.
كان المشهدُ أبعدَ من مجردِ إعجاب بحقيقتنا بينما كان مدهشًا بعفويّتنا الصادقة، و ضحكاتٍ خرجت من القلب، فارتبكت لها الجدرانُ من حولنا، كأنها لم تعتد هذا القدر من الحياة.
كانت معي قطعة بيتزا، أردت أن أشارك بها زميلًا أكنّ له محبة صافية ، سقطت القطعة على الأرض وبدون قصد الأرض كانت نظيفة ، بلا غبار ولا قذارة التقطتها يدي ، ثم مسحتها سريعًا، وقلت في نفسي وبكل تلقائية لا شيء يدعو للحرج، فعلت ما فعله رسول الله ﷺ حين قال: «إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها» و قسمتها نصفين لي وله نية خالصة خالية من اي شوائب داخليه ، بلا تفكير، بلا حسابات أخري.
لكنني فوجئت بعينيه لم تكن كما توقعت ، غضب كثيرا وكأننا شيء انكسر داخلنا ، قالا بنبرةٍ غاضبة تخدش سكون المكان ، "إنتِ بتديني حاجة من على الأرض؟ شايفاني كده؟" تجمدت الكلمات في حلقي ، لم أفهم ، لم يكن في قلبي إلا الخير ، لم يكن في يدي إلا مشاركة اخويا حاولت أن أفهم: هل جرحته؟ هل أسأت دون أن أدري؟ لكنه أصرّ على الصمت ورفض الحديث معي،
وأرى أن المسافة بيننا أصبحت أكثر رحمة من القرب والسبب هي نظرات اعينه الحاده.
بعد لحظات من هذا الموقف ، كان في يدِ زميلي زجاجةُ ماءٍ باردة،وكنتُ عطشى كأنَّ الجفافَ يسكنُ روحي قبل حلقي شرب نصفها، ثم ناولني ما تبقّى في هدوءٍ عابر.
أخذتُها دون تفكير ولا ذرة نفور منه بأنه شرب قبلي، قبلتُها منه وشربت دون تردد كأنَّ بيننا ألفةً خفيّةً تُسقط الحواجز ، وكلمات بين السطور تصل لقلبي لترطيب ما حدث وتعود لتجعلُ الأشياء البسيط أكثر دفئًا مما ينبغي.
وفي تلك اللحظة شعرت بشيء ثقيل في صدري.
لم يكن الماء المشكلة ، كانت الازدواجية كيف نقبل المشاركة حين توافق صورتنا الاجتماعية، ونرفضها حين تلامس فكرة في أذهاننا؟
كيف نُسيء الظن بالنية، ونغض الطرف عن الفعل نفسه حين يأتي في شكل مختلف؟ أدركت في هذا اليوم أن الطيبة وحدها لا تكفي ، وأن النية مهما كانت نقية قد تُجرح بسوء فهم، أو تُدان بميزان الكِبر الخفي.
وأدركت أيضًا أن بعض الناس لا يرفضون الفعل نفسه بل يرفضون الصورة التي رسموها في عقولهم عنه خرجت من هذا الموقف أهدأ وأصدق مع نفسي ، فالذي يعرف نقاء قلبه، لا يرهقه سوء الظن طويلًا والذي يعطي من قلبه، لا يخسر حتى لو أُسيء فهمه.
ليس كل ما يُؤلم يكون خطأً ، ولا كل ما يُساء فهمه يستحق الندم ، أحيانًا نُجرح فقط لأننا كنا صادقين أكثر من اللازم ، وبسطاء في عالم يُفسّر الأمور اكثر تعقيدٍ لا يشبهنا ، يبقى الأهم أن نحافظ على نقاء نوايانا، لا لأن الآخرين سيقدّرونها دائمًا، بل لأن هذا ما يُشبهنا نحن. فالقلب الذي يعتاد الصدق، لا تغيّره نظرة عابرة، ولا يُطفئه سوء فهم وإن كانت بعض المسافات تُفرض علينا، فربما تكون رحمة خفية… تُنقذ ما تبقى فينا من صفاء.


