السبت 21 مارس 2026 03:51 صـ 2 شوال 1447هـ

رئيس التحرير محمد يوسف رئيس مجلس الإدارة خالد فؤاد حبيب

رئيس التحرير محمد يوسف رئيس مجلس الإدارة خالد فؤاد حبيب

آراء وكتاب

منة حمادة تكتب: بين تيك .. وتاك

جدران الغرفة تضيق بي حتى الاختناق. أسناني تطبق على شفتيّ حتى يسيل الدم. عقلي يشرد في كل اتجاه ولا يستقر في أي مكان في آنٍ واحد. ألتفت بنظري نحو ذلك الصوت الذي كاد أن يصيبني بالجنون... تيك، تاك. الرابعة صباحاً.
​يُفترض بي أن أكون نائمة الآن؛ فمطاردة الوحوش في الصباح والمناورة بين الأشباح في كل رواق تتطلب طاقتي بأكملها. أهمس لنفسي: "حاولي النوم فقط".

النوم؟ كلمة غريبة. كيف يكون النوم خياراً عندما يفرض جهازي العصبي المنتبه في جسدي سيطرته المطلقة؟ ذلك الجزء الذي لا يعرف سوى القلق أو المواجهة. أتساءل إن كان قد اختطف قرينه المسؤول عن الهدوء؛ ذلك الجهاز الذي يرمم ما أفسده التوتر. لم أره منذ مدة، خاصة في هذه الساعة. هل يخبرني أحدكم أين يُحتجز؟ أقسم أنني قد اجول الكون وما وراءه فقط لأجده.

اهمس قائلة: "دعني أتحدث إليك"، متمنية أن يسمعني.. أن يأتي وينتزعني من بؤسي هذا.

حينها، سمعت نبضة كهربائية أمام سريري. انتفضتُ، محاولة إسناد جسدي إلى ظهر السرير لأرى بوضوح. من هذا؟ هل هو شبح؟ ظننت أنني لا أراهم إلا خارج غرفتي؛ عيون ذابلة، هالات سوداء، وظهور منحنية.. يتجولون دون وجهة، ولا يدركون الغاية من وجودنا هنا.

لكنني لم أجد شبحاً. وجدت جهازاً عصبياً يمشي. لم يكن جسداً كاملاً، بل مجرد حزم عصبية تمتد من قمة الرأس وتمتد إلى الجذع ... أخيراً، منقذي هنا.

صرختُ نحو حزمة الأعصاب الواقفة : "هي أنت! انني بحاجة إليك . أرجوك، تسلّم زمام الأمور قبل أن أفقد عقلي".
​بدأتُ أعترف بمخاوفي: "أرجوك.. هذا القلق كالسم، يتغلغل في و يقتل ببطء كل شيء جميل. أجده في كل خطوة، يحيل كل جمال إلى نار؛ من يقترب منها يحترق. أي حياة هذه؟ أريد أن أكون طبيعية.. أرجوك".

نظر إليّ. يمكنني رؤية ذلك؛ الأعصاب المحيطة بالعينين موجهة نحوي. دعوت في سري: "أرجوك، قل شيئاً". ثم سمعتُ النبضات الكهربائية مجدداً...

"أعلم أنك تحاول إخباري بشيء. أعلم أن هذه لغتك، لكنني لا أفهمها. تواصل معي بطريقة أستوعبها".
​شعرتُ به يقترب. أعصاب طويلة تخطو فوق الأرض، تشق طريقها نحوي عند رأس السرير. الأمر مرعب. أزحتُ جسدي بعيداً قليلاً، تحسباً لأي شيء. ثم شعرتُ به. استقرت يده فوق فروة رأسي. تغلغلت الأعصاب عبر الجلد والجمجمة الصلبة، لتتصل أخيراً بدماغي.

الآن أسمع كل شيء؛ كل إشارة كهربائية تتحول إلى كلمات مفهومة تتردد في أذني، وكل ناقل عصبي يرحل عبر مساره المحدد.

"القلق المفرط".. أهذا هو المسمى الذي اختاره؟

تابع قائلاً: "لكي تسمحي لي بالعودة إلى جسدكِ، يجب أن تكوني مُضيفاً مناسباً". لم يكن صوته مجرد رنين، بل كان كشعور الماء البارد حين يلامس حرقاً. "تساوي في الطول الموجي يعني تعادل في الطاقة.. توافق. أنتِ تحاولين حشر روح هادئة في جسد تحول إلى ساحة حرب. لقد جعلتِ من صدركِ قفصاً، ثم تتساءلين لماذا لا أجد متسعاً للاستقرار فيه؟".

"ما كنتِ تبحثين عنه كان دائماً أمام ناظريكِ؛ في التفاصيل الصغيرة. في لحظات السكينة حين تتوقفين أخيراً عن مراقبة الساعة. في التجمعات الصادقة حين تنصتين حقاً بدلاً من مجرد انتظار دوركِ في الكلام. في الساعة الذهبية قبل الغروب، حين يتحول العالم إلى لوحة فنية لدقائق معدودة. أنتِ تمرين عبر هذه اللحظات، لكنكِ لا تعيشينها".

"افتحي عينيكِ لتلتقطي المدخلات الجيدة، لا السيئة فقط. أنتِ ككاميرا لا تصوّر إلا الظلام، لقد نسيتِ أن الضوء موجود. تظنين أن الاستعداد للألم هو ذاته الشعور بالأمان، لكنه في الحقيقة مجرد وسيلة أخرى لإيذاء نفسكِ".

"كوني ممتنة، وكوني طموحة. لا تتركي أحلامكِ تتحول إلى أعداء لكِ. اعملي لأجل العمل ذاته، لا لأجل المكافأة فقط. إذا كنتِ لا تتحركين إلا طمعاً في الجائزة، فستكرهين كل خطوة في الرحلة. الله سيجزيكِ بغض النظر عن النتيجة؛ هو يرى العرق المصبوب على جبينكِ، لا الورقة التي بين يديكِ فحسب. ثقي بالرحلة أكثر من ثقتكِ بمخاوفكِ".

"كفي عن معاملة حياتكِ كمعضلة تحتاج إلى حل، هي قصة تحتاج أن تُروى. اعتني بجسدكِ، بصحتكِ، وبعقلكِ. عاملي نفسكِ كشيء تحبينه حقاً، لا كآلة تحاولين تحطيمها. حينها ستجدين السلام.. ستجدينني داخلكِ دون حاجة للبحث. أنا السكون الذي يسكن بين نبضات قلبكِ؛ كنتُ هنا دوماً، أنتظر أن تتوقفي عن الركض".
​أنهى كلماته وانسحب قبل أن أتمكن من الإمساك به.

انتفضتُ مستيقظة في فراشي على صوت المنبه. كان قلبي يتسارع، لكنني تذكرتُ كلماته. ابتسمتُ، وللمرة الأولى شعرتُ بهدوء الغرفة، ولاحظتُ ضوء الصباح وهو يتسلل عبر الستائر.
​تيك، تاك.. السادسة صباحاً. حان الوقت لأنطلق.

منة حمادة