الخميس 19 مارس 2026 03:46 صـ 30 رمضان 1447هـ

رئيس التحرير محمد يوسف رئيس مجلس الإدارة خالد فؤاد حبيب

رئيس التحرير محمد يوسف رئيس مجلس الإدارة خالد فؤاد حبيب

فيديو

العدو الذي يسرق ذواتنا.. نوح غالي يكشف كواليس النسيان الذي يبتلع الحضارات

الإعلامي نوح غالي
الإعلامي نوح غالي

قال الإعلامي نوح غالي: تخيل أن تستيقظ ذات صباح، لتجد نفسك غريبًا عن كل ما حولك؛ لا تدرك اسمك الذي يناديك به الناس، ولا تتعرف على الملامح النائمة إلى جوارك، حتى وجهك في المرآة يبدو كشخص لم تقابله من قبل؛ أنت هنا، جسديًا، لكنك فراغ مطلق؛ فالذاكرة ليست مجرد ألبوم صور مكدس في زوايا العقل، بل هي الرابط الوحيد بين أمسنا وغدنا، وبدونها يتحول الإنسان إلى كائن تائه مسجون في سجن اللحظة الحالية.

وأوضح “غالي”، خلال برنامج “تفاصيل الحكاية”، المذاع على قناة “الشمس”، أن النسيان ليس مجرد عارض طبي يصيب الأفراد، بل هو وباء قد يبتلع حضارات بأكملها؛ ففي عام 79 ميلادية، كانت مدينة "بومبي" الرومانية في ذروة رفاهيتها، حتى قرر بركان "فيزوف" أن يضع حدًا لتلك القصة، وفي غضون ساعات، دُفنت المدينة تحت 6 أمتار من الرماد البركاني، لتمحى من ذاكرة البشرية لـ1500 عام، ولم يكن العالم يعلم بوجودها حتى كُشفت الصدفة عنها في القرن الثامن عشر، ليجد المنقبون مشهدًا يحبس الأنفاس: أجساد محنطة في وضعياتها الأخيرة؛ أم تحتضن طفلها، ورجل يغطي وجهه ذعراً. هنا، لم يكن النسيان غيابًا للمعلومة، بل كان تجميدًا قسريًا للزمن بأمر من الطبيعة.

وتابع: وإذا كانت "بومبي" نسيانًا للبشر، فإن ما حدث في مصر كان نسيانًا للعقل؛ فمكتبة الإسكندرية القديمة، التي كانت بمثابة القرص الصلب للعالم القديم، ضمت أكثر من نصف مليون مخطوطة في الفلك والطب والتاريخ، وحين التهمت النيران أوراق البردي، ضاعت معها أسرار حضارات بأكملها، واضطر العالم للبدء من الصفر، غارقًا في قرون من الجهل كان يمكن تفاديها لو بقيت تلك الذاكرة حية.

ولفت إلى أنه عبر التاريخ، استُخدم النسيان كأداة للبطش السياسي؛ فالرومان ابتدعوا عقوبة محو الذاكرة؛ فإذا غضب مجلس الشيوخ على إمبراطور بعد موته، يُزال اسمه من السجلات، وتُهشم تماثيله، وتُصهر العملات التي تحمل وجهه، ليُقتل تاريخيًا بعد قتله جسديًا، وفي العصر الحديث، أتقن "ستالين" اللعبة ذاتها؛ حيث كان يأمر بحذف صور الجنرالات المغضوب عليهم من الصور الرسمية باستخدام تقنيات التحميض آنذاك، ليترك التاريخ مليئاً بالفراغات لأشخاص كانوا هنا ثم قرر أحدهم أنهم لم يوجدوا قط.

ونوه بأن الغريب أن العقل البشري لا ينسى فقط، بل يؤلف أيضًا، وتبرز ظاهرة "تأثير منديلا" كدليل على الذاكرة الجماعية الكاذبة، حيث جزم الملايين بأن الزعيم نيلسون منديلا مات في السجن في الثمانينيات ووصفوا جنازته بدقة، بينما الحقيقة أنه خرج وأصبح رئيسًا وتوفي عام 2013، ويفسر العلماء ذلك بأن العقل حين يجد فجوة في الأحداث، يملؤها بسيناريو منطقي حتى يصدق كذبته.

وأشار إلى أنه في دهاليز الطب، تبرز قصة الشاب "هنري" (المعروف بـ HM)، الذي خضع لعملية جراحية عام 1953 لعلاج الصرع، لكنه فقد القدرة على تكوين ذكريات جديدة، وعاش هنري 50 عامًا وهو يظن أنه لا يزال في سن الـ27، يصدمه وجه العجوز في المرآة كل يوم، وعلى النقيض تمامًا، تبرز حالة "جيل برايس" المصابة بالذاكرة الخارقة؛ جيل لا تنسى تفصيلًا واحدًا منذ عام 1980؛ تذكر ماذا أكلت وحالة الطقس في أي يوم تختاره، وتصف جيل حالتها بأنها عذاب، حيث تهاجمها الذكريات المؤلمة والمحرجة بنفس حدة حدوثها أول مرة، مؤكدة أن النسيان هو جهاز المناعة النفسي الذي يحمينا من الانهيار.

وأكد أنه بينما نقش المصري القديم رسائله على الحجر لتعيش 7000 سنة، نضع نحن ذكرياتنا اليوم على "سيرفرات" ومنصات رقمية مهددة بالزوال، ويحذر الخبراء من العصر الرقمي المظلم، حيث قد لا تجد أجيالنا القادمة أجهزة تقرأ ملفاتنا الحالية، لتضيع مليارات الصور والفيديوهات في ثقوب التكنولوجيا السوداء، ويبقى "الزهايمر" هو الوحش الأكثر رعبًا، أو كما يسمى "الوداع الطويل"؛ فهو المرض الذي يسلب الإنسان إنسانيته تدريجيًا، من نسيان المفاتيح إلى نسيان وجوه الأبناء، وصولًا إلى نسيان كيفية التنفس.

وشدد على أنه في النهاية، يبدو النسيان نعمة بقدر ما هو نقمة؛ نحتاجه لنتجاوز الألم، ونخشاه لأنه قد يمحو هويتنا؛ فنحن نعيش في ذلك الخط الرفيع بين ما نريد تذكره لنبقى بشرًا، وما نحتاج نسيانه لنستطيع الاستمرار.