”القطة بيرى”: هؤلاء هم عائلتى
منة الله حمادة
منذ اليوم الأول لولادتي في ذلك المرآب المظلم، أدركت أن حياتي لن تكون سهلة. كانت أمي تستلقي على جانبها لأرضع منها القليل من الحليب؛ كانت حاضرة في لحظة، وغائبة في التي تليها. تتركني أنا وأختي وحيدتين ونحن نواجه الظلمة المخيفة، وأصوات البشر الصاخبة في الخارج، وذلك السكون الذي يطبق على الغرفة المجعدة. كنت أنكمش مقتربة من أختي، أشعر بفرائها يلامس فرائي، ناعماً ودافئاً.. كأنه وطني. وطني الخاص.
قضيت الأشهر الثلاثة الأولى من حياتي هكذا؛ بين دفء أمي، وبرودة غيابها، والصحبة الجميلة التي منحتني إياها أختي. الحياة ليست بهذه القسوة، أليس كذلك؟ على الأقل، لديّ شخص قريب مني.
ثم أخرجتني أمي للمرة الأولى. لمست مخالبي نعومة العشب وخشونة الحصى، وملأ الهواء النقي رئتيّ، بينما لفحت أشعة الشمس وجهي. لأول مرة، شعرت أنني حية حقاً. كنت أتتبع أثر خطواتها وأختي تهرول خلفنا لتلحق بنا، حتى توقفت أمي أمام منزل آخر. كانت هناك عائلة من أربعة أفراد ينظرون إلينا جميعاً.. بـشـر.
كانت غريزتي الأولى هي الهرب؛ تسارعت دقات قلبي ووقف شعر ظهري. كانت عيونهم مصوبة نحونا بحدة، وكأنهم يدرسوننا، يتهامسون بكلمات لم أفهم منها شيئاً. توقفت أمي أمامهم وبدأت تلعقني أنا وأختي بلسانها الرطب الدافئ الذي أحببته دوماً، وكأنها تخبرهم أننا صغارها.
راقبتهم بعينين واسعتين بينما بدأت ملامحهم تسترخي، واتسعت أفواههم لتصل إلى آذانهم بطريقة غريبة؛ أظن أنها "ابتسامة"، أليس كذلك؟ لطالما أخبرتني أمي أن هذه علامة جيدة، فالبشر طيبون حين يبتسمون ولن يؤذونا. قادتنا أمي إلى باب منزلهم، وبينما كنت أصعد الدرج الرخامي، تساءلت: كيف تشعر بكل هذه الراحة هنا؟ هل هذا هو المكان الذي كانت تذهب إليه حين تتركنا؟
ثم رأيت المشهد: أربع قطط أخرى تتمسح بها، وهي تفعل الشيء ذاته؛ لا بد أنهم يعرفون بعضهم جيداً. اقتربت القطط الأخرى منا حين لاحظت وجودنا أخيراً، تفحصتنا عيونهم من الرأس حتى المخلب، ثم أحاطوا بنا وبدأوا يمسحون رؤوسهم بأجسادنا كعلامة على القبول. هل سأحصل على بيت وعائلة في اليوم ذاته؟ بدا الأمر أبعد من التصديق.
في الأيام التالية، بدأت ألاحظ تغيراً في سلوك أمي؛ أصبحت فظة للغاية. كانت تدفعني بعيداً كلما حاولت الاقتراب منها أو شرب الحليب.
كنت أموء قائلة: "أمي، أنا جائعة!".
فتصرخ في وجهي: "لا يوجد حليب هنا، لقد كبرتِ.. اعتمدي على نفسكِ".
كنت أتراجع مذهولة.
كررت فعلتها تلك مرات عديدة، كانت تضربني كلما اقتربت منها. مخالبها حادة، وفحيحها صاخب جداً. ماذا يحدث؟ هل أخسر أمي؟
مرت الأيام، وكان أولئك البشر يطعمونني يومياً. كانوا لطفاء حقاً، يبتسمون دائماً ويحاولون التربيت عليّ بلطف. أما أختي فظلت خائفة رغم أنني أخبرتها ألا داعي للخوف. كان البشر ينادوننا بأسماء معينة، ويبدو أن اسمي هو "بيري"، أو هذا ما استنتجته من أصواتهم الغريبة كلما حاولوا الحديث معي. وكان لأختي اسم أيضاً: "فيري".
كنت أنا وفيري نقفز على حجر تلك الفتاة اللطيفة ونتمسح بها، فتربّت علينا كلتينا. شيئاً فشيئاً، بدأت فيري تشعر بالراحة معها وازدادت شجاعتها في كل مرة، حتى أصبحت تنام على حجر الفتاة تحت أشعة الشمس مع بقية القطط حولنا.
ذات يوم، استيقظت مع فيري لنلعب في الخارج. وجدنا فراشة جميلة وبدأنا بمطاردتها؛ كانت ملونة وساحرة. ثم وقع أسوأ مخاوفي.. أمسك غرباء بـ "فيري" بقوة شديدة، وحملوها بعيداً عني.
ظللت أصرخ ليعيدوها إليّ، ركضت خلفهم حتى آلمتني مخالبي، لكنهم وضعوها داخل سيارتهم وانطلقوا. شاهدت أختي تُنتزع مني أمام عينيّ. ألم يكفِ أنني خسرت أمي في اليوم الذي بدأت تضربني فيه؟ هل كان عليّ أن أخسر الفرد الوحيد المتبقي من عائلتي؟
عدت إلى المنزل بخطى متثاقلة، أذناي منخفضتان وذيلي يجر خلفي كحيوان مهزوم. حين عدت، نظرت إلى القطط الأخرى والبشر خلف ذلك الباب، وفكرت.. ربما أجد تلك الفتاة الطويلة ذات الشعر البني، ستساعدني، أليس كذلك؟ ستواسيني؟ ستربّت عليّ وتجعلني أشعر بالأمان حتماً؟
وجدت الباب موارباً قليلاً، فتسللت إلى الداخل أبحث عنها. وجدتها تجلس على مقعد وثير، فقفزت إلى حجرها. شهقت من المفاجأة، ثم رأيت تلك الابتسامة التي اعتدت عليها، وبدأت يداها تمسحان عليّ بلطف.
بدأ صوت "خرخرتي" يزداد صخباً.. ربما لم أفقد عائلتي كلها بعد؟ هؤلاء هم عائلتي أيضاً.



