مرصد الأزهر: الإرهاب في إفريقيا يعيد تشكيل إستراتيجياته من الكم إلى التأثير
كشف مرصد الأزهر لمكافحة التطرف في تقرير تحليلي عن واقع أنشطة الجماعات الإرهابية في القارة الإفريقية خلال عام 2025 مقارنة بعام 2024، كشف عن تحولات نوعية في فلسفة العنف وأساليبه، مشيرًا إلى أن المشهد لم يعد يُقاس بعدد العمليات فقط، بل بطبيعة تأثيرها وحدّة خسائرها.
وأوضح المرصد أن عدد العمليات الإرهابية في إفريقيا سجّل تراجعًا طفيفًا من 252 عملية في 2024 إلى 249 عملية في 2025 بنسبة انخفاض بلغت 1.19%، وهو ما يعكس استقرارها نسبيًّا في وتيرة الهجمات، دون أن يعني تحسنًا جذريًّا في الوضع الأمني.
وفي المقابل، ارتفع عدد القتلى من 2927 إلى 3584 ضحية بنسبة زيادة بلغت 22.4%، بما يؤكد تصاعد مستوى الفتك في الهجوم الواحد وانتقال بعض التنظيمات من استراتيجية “الانتشار الكمي” إلى “التأثير النوعي”.
كما أشار التحليل إلى تراجع عدد المصابين بنسبة قاربت 57.9%، وهو ما يعكس ارتفاع نسبة الهجمات القاتلة مقارنة بتلك التي كانت تسفر عن إصابات فقط. وشهدت حالات الاختطاف انخفاضًا بنسبة 20.8%، في مؤشر على تضييق الخناق على هذا النمط من النشاط، خاصة في مناطق الساحل وغرب إفريقيا.
وعلى صعيد خسائر التنظيمات الإرهابية، ارتفع عدد قتلاها بنسبة 3.4%، بما يعكس استمرار الضغط الأمني، في حين تراجع عدد المعتقلين بنسبة 12.6%، مقابل قفزة لافتة في حالات الاستسلام تجاوزت 170%، ما يعكس تصاعد الضغوط الميدانية والنفسية وفاعلية أدوات التفكيك غير العسكري.
غرب إفريقيا شهد تحولات متباينة
وبيّن المرصد أن غرب إفريقيا شهد تحولات متباينة؛ حيث عادت نيجيريا لتتصدر مشهد العنف بزيادة حادة في عدد الهجمات والضحايا، بينما سجلت مالي والنيجر وبوركينا فاسو تحولات لافتة في طبيعة العمليات وشدتها، مع بروز أنماط جديدة كالعودة إلى الاختطاف أو تكثيف الهجمات عالية التأثير. كما شهدت بنين تصاعدًا ملحوظًا في النشاط الإرهابي، بما يعكس انتقال التهديد إلى ساحات كانت تُعد هامشية سابقًا.
وفي شرق القارة، سجّلت الصومال تراجعًا كبيرًا في عدد العمليات، إلا أن الخسائر البشرية ظلت مرتفعة نسبيًّا، ما يشير إلى اعتماد هجمات أقل عددًا وأكثر عنفًا. كما اتسم الوضع في كينيا وموزمبيق باستقرار عددي نسبي مع تغير في أنماط النشاط، بينما برزت إثيوبيا كحالة استثنائية بعدم تسجيل أي عملية خلال العام المنصرم، مدعومة بتصاعد العمل الاستخباراتي الاستباقي.
أما في وسط إفريقيا، فقد تراجعت العمليات في الكونغو الديمقراطية عددًا مع ارتفاع ملحوظ في الضحايا، في حين شهدت الكاميرون وتشاد تصاعدًا في وتيرة العنف، يقابله تغير في نتائج المواجهة الأمنية، خاصة مع تسجيل حالات استسلام جماعي لافتة في تشاد.
وأكد مرصد الأزهر أن هذه القراءة المقارنة تكشف عن مشهد أمني شديد التعقيد، يتسم بإعادة تشكل جغرافي وتكتيكي للعنف، بما يستدعي مقاربات تتجاوز المعالجة الأمنية التقليدية نحو إستراتيجيات شاملة تجمع بين الحسم الأمني، والمعالجة الفكرية، وتعزيز الحضور المؤسسي للدولة في المناطق الهشة.
وشدد المرصد في ختام تحليله على أن الأرقام، رغم دلالتها الإحصائية، تظل انعكاسًا لواقع إنساني وسياسي متغير، وأن تحقيق الاستقرار المستدام في إفريقيا يظل مرهونًا بمدى القدرة على معالجة جذور التطرف وتجفيف منابعه، لا الاكتفاء بإدارة تداعياته الميدانية.


