الأحد 22 فبراير 2026 05:35 مـ 5 رمضان 1447هـ

رئيس التحرير محمد يوسف رئيس مجلس الإدارة خالد فؤاد حبيب

رئيس التحرير محمد يوسف رئيس مجلس الإدارة خالد فؤاد حبيب

آراء وكتاب

شروق شعبان

مخاض الروح في حضرة الغياب

الموت في ظاهره غياب، لكنه في جوهره حضورٌ لكنه من نوع آخر.

حين يرحل من نحب، نظن أنهم ذهبوا، لكن الحقيقة أنهم تحوّلوا من مكان إلى مكان، من حضورٍ ملموس نراهم فيه بأبصارنا، إلى حضورٍ أعمق نراهم فيه ببصائرنا.

إنهم ينتقلون من مسامعنا إلى أرواحنا، ومن عناقنا إلى أدعيتنا، ومن كلماتهم المسموعة إلى حكمتهم التي تسكن وجداننا.

هكذا هو الموت، ليس نهاية يُغلق بها ملفاً،

وإنما هو تحوّل يُعيد تشكيل العلاقة مع من رحلوا. وكأنهم يغادرون الغرفة ليستوطنوا الروح، ويتركون عناق الجسد ليمسكوا بخيوط القلب.

ومن ذا الذي يموت حقاً؟ كما قال مولانا جلال الدين الرومي: "ما مات من ماتت أوصافه، إنما الميت من ماتت أفعاله". الموت لا يأخذ أحبتنا، الموت يحررهم من الزمن، يجعلهم خارج حدود الساعة والدقيقة، ويخلدهم في مساحة لا تعرف التآكل.

والموت ياحبيبي أيضاً مرآة. نعم، هو مرآة نرى فيها أنفسنا وحياتنا من جديد.

كلما تذكرنا من رحلوا، نسأل في صمت: ماذا لو كان هذا اليوم هو آخر أيامي؟

في تلك اللحظة، يصبح الموتى شهوداً صامتين على خياراتنا، يذكروننا بأن الحياة لا تُقاس بطولها بل بعمقها.

هم يرحلون فيتركون لنا أسئلتهم الصامتة: هل نحيا كما ينبغي؟ هل نحب بما يكفي؟ هل تركنا أثراً؟

الغياب يا صديقي ليس فراغاً كما نظن، الغياب هو أن يصبح الإنسان مرساة لقلبك، كلما هزتك الدنيا تذكرته فاستقمت.

هو أن تتحول ذكراه إلى نافذة تطل منها على نفسك كلما أظلمت بك السبل.

الذين رحلوا لا يتركوننا، هم فقط يتركون الجسد الذي كان يعيقهم عن الوصول إلينا أكثر. ففي كل مرة نشتاقهم، هم يقتربون. وفي كل دمعة نذرفها بصدق، هم يمسحونها من حيث لا نرى.

وفي الليل، حين ننام، يأتون إلينا بطريقة أخرى. في الأحلام، لا يكونون أمواتاً أبداً. يعودون إلينا كما كانوا، يحدثوننا، يضحكون، ويطمئنوننا أحياناً. كأنهم يزوروننا من عالم لا تعرف المسافات فيه.

تلك اللحظات الحلمية ليست مجرد أمانٍ، بل هي نوافذ مُشرعة على حضورهم الذي لا يخضع لمنطق الغياب والوجود.

والفقد يا عزيزي في حقيقته عطاء، وهذا السر لا يدركه إلا من أُخِذ منه شيء فوجد نفسه قد ازدادت.

وكيف يكون العطاء في الفقد؟

حين يموت من نحب، نرث منهم أشياء لا تورث بالأموال: نرث نظرتهم للحياة، نرث حكاياتهم التي صارت مثلنا، ونرث وصاياهم الصامتة التي كانت في تعاملاتهم اليومية. يموت الإنسان فيعطينا آخر شيء يمكن أن يعطيه: يعطينا عبرته، يعطينا زهداً في الدنيا لم نكن نملكه، ويعطينا يقيناً بأن ما عند الله خير وأبقى.

بل إن هناك ما هو أعمق من هذا الميراث.

وهي "البصمة الروحية"، تلك العادات الصغيرة التي تنتقل إلينا دون وعي: فنجد أنفسنا نضحك مثلهم، نكرر كلمات كانوا يقولونها، ونتصرف في مواقف معينة كما كانوا يتصرفون. يصبحون جزءاً من لاوعينا، يسكنون في تفاصيلنا اليومية التي لا نحسب لها حساباً. وكأن الموت لا ينقلهم إلى عالم آخر فقط، بل يزرعهم فينا لينموا من جديد.

وهنا تتجلى فينا الحكمة التي أشار إليها الحلاج حين قال: "أقتلوني يا ثقاتي، إن في قتلي حياتي". في الموت حياة، وفي الفقد بقاء، وفي الرحيل وصال لا يدركه إلا من أحب حتى الذوبان.

حين نفقد من نحب، نحن لا نخسرهم، نخسر فقط وجودهم الجسدي، لكننا نكسب وجوداً روحياً أعمق، نكسبهم فينا لا أمامنا، وفي أرواحنا لا بين أيدينا.

بل أكثر من ذلك، إن رحيلهم هو هديتهم الأخيرة لنا.

لو بقوا معنا إلى الأبد، ما كنا لنتعلم كيف نقف على أقدامنا، كيف نرى الجمال في الزوال، وكيف نقدر اللحظة لأننا نعرف أنها عابرة. رحيلهم يعلمنا أن كل حب ثمين لأنه ليس مضموناً، وأن كل عناق قد يكون الأخير، وأن الحياة هبة لا تستحق إلا الامتنان. هذا هو العطاء الأعمق في الفقد: أن يمنحنا الموتى وعياً بالحياة لم نكن نملكه من قبل.

والألم يا طيب ليس نهاية، الألم هو المخاض الذي يولد منه الانسان جديد. كما أن الأرض لا تخرج زهرها إلا بعد أن تشقها، كذلك الروح لا تخرج نورها إلا بعد أن يمزقها الحزن.

كل من مر بفقد عميق، خرج من تجربته مختلفاً، ليس بالضرورة أقوى كما نقول دائماً، لكنه أعمق، أرق، وأكثر قدرة على رؤية الجمال في التفاصيل الصغيرة، وأكثر قدرة على الحب لأنه يعرف ثمن الفراق.

وهذا ما عناه الرومي حين قال: "اعلم أن ألمك سيصبح ذات يوم علاجك". الألم الذي يخترقنا اليوم هو نفسه من سيكون دواءنا غداً، كما أن النار التي تحرق بعض الغابات هي ذاتها ما يفسح التربة لولادة أزهار لم تكن لتنبت لولا هذا الاحتراق. الألم يصنع في الروح مساحة، مساحة كانت مغلقة قبل الجرح، مساحة تصير فيما بعد وعاءً للحكمة، والرحمة، والقدرة على فهم الآخرين بلا كلمات.

وإن كان للغياب وجه حزين، فله وجه آخر مشرق: الغياب هو الحضور ذاته، لكن بطريقة مختلفة. من كان موجوداً بجسدك كان جزءاً من يومك، أما من صار في روحك فقد صار جزءاً من عمرك كله. الحضور الجسدي محدود بزمنه، لكن الحضور الروحي لا نهائي. حين تتحول أمك الراحلة إلى صوت بداخلك يوجهك، حين يتحول صديقك الذي رحل إلى عين تراقبك من حيث لا تراه، وحين يصير أبوك الذي غاب إلى سند لا يغيب، هنا يصير الغياب هو عين الحضور.

وهذا التحول ليس غريباً على الكون. تأمل دورة الحياة في الطبيعة: الأوراق تذبل لتغذي التربة، القمر يغيب ليعود، والنجوم تموت لتصنع عناصر جديدة للحياة. الموت ليس استثناء في هذا النظام الكوني، بل هو النظام ذاته. الذين رحلوا عنا أصبحوا الآن جزءاً من هذه الدورة الكبرى، جزءاً من دورة الوجود التي لا تنتهي. هم ليسوا خارج الحياة، هم صاروا الحياة ذاتها بطريقة أخرى.

لذلك، الموت ليس فاصلاً، الموت هو نقطة تحول في علاقتنا بمن نحب. ينتقلون من دائرة الرؤية إلى دائرة الشعور، ومن دائرة الصوت إلى دائرة الصدى، ومن دائرة اللمس إلى دائرة الأثر. وكلما طال غيابهم، ازداد حضورهم عمقاً فينا. الذكرى ليست استحضاراً لمن رحل، الذكرى هي استمرار لمن رحل، وهي دليل أنه ما زال يعمل فينا، يغيرنا، يربينا، ويهمس في آذاننا من حيث لا ن

شروق شعبان. الاب. اباء خواطر .ادب