رمضان في مصر ليس مجرد شهر في النتيجة، بل هو "حالة طوارئ" وجدانية. هو الوقت الذي يقرر فيه الزمن أن يهدأ قليلاً، ليعطينا فرصة لنلحق بأنفسنا التي تاهت منا طوال العام. وكأن هذا الشهر هو "المرآة" الحقيقية التي لا تعكس ملامحنا المتعبة، بل تعكس ما تبقى فينا من إنسانية.
ضجيج الشوارع وسكون القلوب
تبدأ الحكاية بـ "فرحة خفية" تشبه رائحة المطر بعد جفاف طويل. في شوارعنا، ترى "الوجه الآخر" للناس؛ الرجل الذي كان يتشاجر من أجل "ركنة سيارة" بالأمس، تراه اليوم يوزع التمر بابتسامة صافية. الست التي أرهقتها تفاصيل الحياة، تقف في مطبخها كأنها "مايسترو" يقود سمفونية من الروائح التي ترد الروح.
في رمضان، تسقط الأقنعة الزائفة، وتظهر الوجوه التي صقلها الصيام بالصبر، وزينها القيام بالسكينة.
مائدة واحدة.. وقلوب كثيرة
ليس السحر في "المائدة" وما عليها من أصناف، بل في "اللمّة" التي اشتقنا إليها. في لحظة الإفطار، يتساوى الجميع؛ الفقير الذي يجد رزقه في "موائد الرحمن" كأنه ضيف في قصر، والغني الذي يكتشف أن شربة ماء هي أغلى ما يملك.
بصفتي روائياً، أرى في كل "طبلية" رواية لم تُكتب بعد. حكاوي الجدات عن "رمضان زمان"، وشقاوة الأطفال وهم ينتظرون مدفع الإفطار بالفوانيس الملونة، كلها خيوط تنسج ثوباً من الدفء يغطي برودة الأيام الصعبة.
رمضان.. فن الاستغناء عن "الغل"
إذا كان الصيام هو الامتناع عن الطعام، فالإفطار الحقيقي هو "الاستغناء" عن كل ما يثقل أرواحنا. رمضان هو فرصتنا الذهبية لرمي "الحمولة الزائدة"؛ لنستغني عن الخصام، وعن سوء الظن، وعن الركض وراء "تريندات" تسرق منا أعمارنا.
في هذا الشهر، نحن لا نجوع لكي نتألم، بل نجوع لكي "نشعر". نشعر بغيرنا، ونشعر بأنفسنا التي دفناها تحت ركام المشاغل.
خاتمة: دعوة للبحث عن "الوش الحقيقي"
هذا العام، دعونا لا نكتفي بزينة الشوارع، بل لنزين قلوبنا. ابحثوا في مراياكم عن "الوجه الآخر" الطيب، المتسامح، الهادئ. اجعلوا من صيامكم عبادة لتهذيب النفس، ومن فطوركم فرصة لصلة الأرواح قبل الأرحام.
رمضان ليس شهراً للتفرّج على المسلسلات، بل هو "مسلسلنا الخاص" الذي نحن أبطاله، والمخرج فيه هو ضميرنا، والجمهور هو الله.