الأربعاء 18 فبراير 2026 02:29 مـ 1 رمضان 1447هـ

رئيس التحرير محمد يوسف رئيس مجلس الإدارة خالد فؤاد حبيب

رئيس التحرير محمد يوسف رئيس مجلس الإدارة خالد فؤاد حبيب

عرب و عالم

سهرة عيد الربيع الصيني: كيف يواصل مجتمع حديث تقاليده عبر شاشة واحدة؟

بقلم ليانغ سوو لي

إعلامية صينية

في مسار الحضارات الإنسانية، لم تكن الأعياد يومًا مجرد تواريخ على صفحات التقويم، بل محطات تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وذاكرته وأسرته ومجتمعه. ففي العالم العربي، يرمز عيد الفطر إلى اكتمال شهر الصيام، وفرحة اللقاء، وتجدد الروابط العائلية. أما في الصين، فيحمل عيد الربيع دلالة قريبة في معناها؛ فهو بداية العام القمري الجديد، لكنه قبل كل شيء موسم العودة إلى البيت ولمّ الشمل.

وفي ليلة رأس السنة القمرية في الصين المعاصرة، أصبحت سهرة عيد الربيع – المعروفة اختصارًا بـ«تشونوان» – تجسيدًا حيًا لهذا العيد العريق، ونافذة فريدة يمكن من خلالها تأمل استمرارية الثقافة الصينية وتحولاتها في آن واحد.

اقرأ أيضاً

إذا نظرنا إليها من زاوية فنية بحتة، فهي عرض تلفزيوني يمتد لأكثر من أربع ساعات. أما من منظور ثقافي أعمق، فهي أقرب إلى طقس وطني جامع في مجتمع حديث. فمنذ انطلاقها عام 1983، رافقت «تشونوان» الصينيين لأكثر من أربعة عقود. وفي كل ليلة رأس سنة قمرية، ومع اقتراب منتصف الليل، تجتمع مئات الملايين من الأسر أمام الشاشات، سواء في المدن الكبرى أو القرى النائية أو في بلدان الاغتراب، لاستقبال السنة الجديدة في اللحظة ذاتها.

هذا الشعور بالمشاركة المتزامنة يرسّخ إدراكًا بسيطًا وعميقًا في آن واحد وهو: أنك لست فردًا معزولًا، بل جزء من مجتمع أوسع. ولا يختلف هذا الإحساس، في بعده المعنوي، كثيرًا عن المشهد الذي يجمع المصلين صباح عيد الفطر في ساحة واحدة. قد تختلف الطقوس، لكن المعنى واحد: تأكيد الانتماء وتعزيز الروابط.

وجوهر عيد الربيع هو لمّ الشمل، وقد اندمجت «تشونوان» في هذا السياق اندماجًا وثيقًا. فمع اتساع رقعة الصين وتسارع وتيرة التحضر، يعيش عدد كبير من المواطنين بعيدًا عن مسقط رأسهم معظم العام، ليصبح العيد مناسبة العودة الكبرى. وهنا توفّر السهرة فضاءً ثقافيًا مشتركًا داخل البيت الواحد: كبار السن يستمتعون بمقاطع الأوبرا التقليدية، الشباب يتابعون الأغاني الحديثة، والأطفال ينبهرون بعروض السحر والأكروبات. وأمام الشاشة نفسها، يضحك الجميع ويتبادلون التعليقات والنقاشات. ومن خلال هذه المشاركة العفوية بين الأجيال، تستمر التقاليد بصورة طبيعية ومتجددة.

غير أن «تشونوان» لم تكتفِ يومًا بمجرد الاحتفال. ففي نسخة هذا العام، تفاعلت لوحات مستوحاة من فن الحبر الصيني، أُنتجت بتقنيات الذكاء الاصطناعي، مع أداء الراقصين على المسرح في الزمن الحقيقي. وظهرت روبوتات إلى جانب الفنانين لتقديم عروض مستلهمة من فنون الكونغ فو، فيما أعادت تقنية معالجة الضوء الرقمي تشكيل أجواء جداريات دونهوانغ التاريخية. كما تعاون حَمَلة التراث الثقافي غير المادي مع مبدعين شباب لتقديم أعمال تجمع بين الأصالة وروح الابتكار.

وخلال السنوات الأخيرة، أُدخلت تقنيات البث الفائق الدقة 8K، والواقع الافتراضي، وأنماط التفاعل القائمة على الذكاء الاصطناعي، ليكتسب العيد العريق لغة بصرية جديدة تناسب العصر الرقمي. غير أن هذا التلاقي بين التقنية والتراث ليس مجرد استعراضًا للتكنولوجيا المبهرة، بل تعبير عن رؤية ثقافية واضحة: فالحداثة لا تعني القطيعة مع الماضي، كما يمكن للمئذنة أن تجاور ناطحة السحاب دون أن تفقد رمزيتها، يمكن للتقاليد أن تتعايش مع مظاهر التطور.

ومن زاوية وظيفتها الثقافية العامة، نقلت «تشونوان» مشاعر الاجتماع الأسري من نطاقها الخاص إلى فضاء وطني أوسع. ففي المسرحيات القصيرة تتجسد حكايات الحياة اليومية، وفي الأغاني تتردد أصداء الانتماء والحنين. هنا تتقاطع الذاكرة الفردية مع السردية الوطنية، وتتفاعل العاطفة الشعبية مع مسار التنمية الاجتماعية.

حتى الصينيين المقيمين في الخارج يحرصون على متابعة البث المباشر. وعندما تتردد الألحان المألوفة، لا يبدو الوطن بعيدًا. وهكذا تنسج «تشونوان» خيطًا رمزيًا يربط بين الداخل والخارج، ويمنح المغتربين إحساسًا متجددًا بالانتماء.

في زمن تعيد فيه العولمة والرقمنة تشكيل ملامح الأعياد، تتراجع بعض الاحتفالات التقليدية تحت وطأة الاستهلاك السريع. غير أن استمرار «تشونوان» لأكثر من أربعة عقود، مع احتفاظها بحيويتها وتأثيرها الواسع، يعكس ما يتمتع به المجتمع الصيني من تماسك ثقافي داخلي. فهي ليست عرضًا نوستالجيًا جامدًا، ولا استعراضًا حداثيًا منقطعًا عن الجذور، بل مساحة تلتقي فيها الذاكرة بالتجديد.

يمنح عيد الربيع هذه السهرة معناها، وتمنح السهرة العيد صورته المعاصرة، في تجسيد حي لقدرة الحضارة الصينية على الجمع بين صون الأصالة واحتضان الابتكار.

ومن خلال هذه النافذة، قد يتمكن الأصدقاء في العالم العربي من رؤية صورة أكثر اكتمالًا عن الصين: مجتمع يمضي في مسار تنموي سريع دون أن يتخلى عن قيمة الأسرة، حضارة توظف التكنولوجيا الحديثة لسرد قصصها القديمة، وشعب يجد في الطقس الجماعي تأكيدًا متجددًا لانتمائه.

فالحضارات تزداد ثراءً بالحوار، وتتعزز بالتبادل. وما يجمع الحضارتين العربية والصينية من تقدير للأسرة، وحرص على صون التقاليد، واعتزاز بروح الجماعة، يشكل قاعدة إنسانية مشتركة يمكن البناء عليها لمزيد من الفهم والتقارب.

عيد ربيع الصين عام الحصان