الأحد 15 فبراير 2026 08:25 مـ 27 شعبان 1447هـ

رئيس التحرير محمد يوسف رئيس مجلس الإدارة خالد فؤاد حبيب

رئيس التحرير محمد يوسف رئيس مجلس الإدارة خالد فؤاد حبيب

آراء وكتاب

دكتورة فاتن فتحي

دكتورة فاتن فتحي تكتب: من دفء القلوب إلى أنوار المساجد.. رمضان التكافل والعطاء كما يعيشه المصريون

حين يتحول العطاء والتكافل والتراحم لأسلوب حياة حين يأتي شهر رمضان الكريم على مصر كل عام حاملاً معه روحًا استثنائية لا تشبه سواها، روح تتجسد في التكافل والتراحم والتلاحم بين أبناء الوطن، حيث تتحول القيم الإنسانية إلى ممارسات يومية حقيقية، ويصبح العطاء جزءًا أصيلًا من السلوك المجتمعي، لا ترفًا ولا استثناءً. في هذا الشهر الكريم، تتجلى ملامح الشخصية المصرية في أبهى صورها، متماسكة، متسامحة، حريصة على ألا يُترك محتاج بلا سند أو عون.

من واقع المتابعة والعمل الميداني، تؤكد المؤشرات المجتمعية أن الغالبية العظمى من المصريين تمارس الصدقة خلال شهر رمضان، بنسب تقترب من 90 إلى 95 في المئة من الأسر، سواء عبر التبرعات المالية أو العينية أو المشاركة في موائد الرحمن وإطعام الطعام. كما يخصص عدد كبير من المواطنين جزءًا ثابتًا من ميزانية الشهر للأعمال الخيرية، إدراكًا منهم بأن رمضان ليس فقط شهر الصيام، بل موسم للخير ومراجعة النفس وتعميق الإحساس بالآخر.

وتتعدد صور التكافل في مصر خلال رمضان، من توزيع الكراتين الغذائية التي تضم السلع الأساسية، إلى إعداد آلاف موائد الإفطار في القرى والنجوع والمناطق الشعبية، مرورًا بتقديم الدعم النقدي المباشر للأسر الأكثر احتياجًا. وتشير تقديرات العمل الأهلي إلى أن ملايين الوجبات يتم توزيعها يوميًا على مستوى الجمهورية خلال الشهر الكريم، في مشهد يعكس قدرة المجتمع على التكاتف، رغم التحديات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.

ولا يقتصر مفهوم الصدقة في رمضان على إطعام الطعام فقط، بل يمتد ليشمل رعاية الأيتام، والاهتمام بكبار السن، ودعم المرضى، وتخفيف الأعباء الصحية عن غير القادرين. وقد أثبتت التجربة أن التكافل الحقيقي هو الذي يعالج الاحتياج الإنساني بشكل شامل، غذائيًا وصحيًا ونفسيًا واجتماعيًا، وهو ما تسعى إليه مؤسسات المجتمع المدني في مصر.

وفي هذا الإطار، تلعب منظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية دورًا محوريًا، حيث يزيد عددها على 35 ألف كيان يعمل في مختلف المحافظات، ويتضاعف نشاطها خلال شهر رمضان، مستندة إلى ثقة المجتمع ودعمه، وموجهة جهودها نحو الإطعام، والدعم النقدي، والرعاية الصحية، والتدريب والتأهيل، بما يجعلها شريكًا حقيقيًا في تحقيق العدالة الاجتماعية.

ومن منطلق هذه الرؤية، نعمل في مؤسسة فاتن فتحي للخدمات الصحية والتدريب على تقديم نموذج للعمل الخيري المتكامل، الذي يجمع بين التدخل الإنساني العاجل وبناء الإنسان على المدى الطويل. وخلال شهر رمضان المبارك، نكثف من جهودنا الصحية والخيرية، عبر تنظيم حملات للكشف الطبي المجاني في المناطق الأكثر احتياجًا، وتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية للمرضى غير القادرين، مع إيلاء اهتمام خاص لمرضى الأمراض المزمنة الذين تتضاعف معاناتهم في هذا الشهر.

كما تحرص المؤسسة خلال رمضان على الدمج بين العمل الصحي والعمل الاجتماعي، من خلال دعم الأسر الأولى بالرعاية بالغذاء والمساعدات المالية، إلى جانب تقديم التوعية الصحية، بما يسهم في تحسين جودة الحياة، ويعزز مفهوم الوقاية قبل العلاج، وهو أحد أهم محاور عملنا.

ويحتل التدريب والتأهيل موقعًا محوريًا في رسالتنا، حيث ننفذ برامج متخصصة في التمريض المنزلي، والإسعافات الأولية، ورعاية كبار السن، وتأهيل مقدمي الرعاية، وهي برامج تزداد أهميتها خلال شهر رمضان، لما تمثله من دعم مباشر للأسر التي تضم مرضى أو مسنين. وقد أسهمت هذه البرامج في إعداد كوادر مؤهلة قادرة على تقديم خدمة إنسانية ومهنية داخل المجتمع، إلى جانب توفير فرص عمل حقيقية للشباب والسيدات، بما يحول العمل الخيري من مجرد مساعدة مؤقتة إلى تمكين مستدام.

وتشير البيانات المتاحة لدينا إلى أن آلاف المستفيدين حصلوا على خدمات صحية وتدريبية مباشرة من خلال برامج المؤسسة خلال السنوات الماضية، ويشهد شهر رمضان ذروة هذا النشاط، حيث تتكامل الرعاية الصحية مع الإطعام والدعم الاجتماعي، في إطار رؤية شاملة تعالج الاحتياج من جذوره، وتحافظ على كرامة الإنسان.

إن شهر رمضان في مصر ليس مناسبة موسمية، بل حالة مجتمعية متكاملة، تتجدد فيها معاني الرحمة والتسامح، ويتأكد فيها أن السؤال عن الفقراء، ورعاية الأيتام، وإطعام الطعام، وبذل المال والجهد، هي مسؤولية جماعية لا تقع على عاتق جهة واحدة. ومن هذا المنطلق، أدعو إلى مزيد من التوسع في أعمال الصدقة المنظمة، وتعزيز الشراكات بين المجتمع المدني والقطاع الخاص والأفراد، حتى يمتد أثر هذا الخير طوال العام، ويبقى رمضان شاهدًا على أن مصر، شعبًا ومؤسسات، قادرة دائمًا على تحويل القيم إلى أفعال

وفي ختام هذا الحديث، أتقدم بخالص التهنئة إلى الشعب المصري العظيم، وإلى الأمتين العربية والإسلامية، بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، شهر الرحمة والمغفرة والتراحم. أسأل الله أن يعيده على مصرنا الغالية وعلى شعوب أمتنا بالأمن والسلام والاستقرار، وأن يكون شهر خير وبركة وتكافل، تتعاظم فيه قيم المحبة والتسامح، ويعم فيه السلام، وتتجدد فيه الآمال بمستقبل أفضل تسوده الإنسانية والعدل والرحمة. كل عام وأنتم بخير، ورمضان كريم.

*دكتورة فاتن فتحي رئيس مجلس إدارة مؤسسة فاتن فتحي للخدمات الصحية والتدريب- سفير منظمة انسانيون العالمية ومدير مركز هاي كير لرعاية المرضى والمسنين