الأحد 15 فبراير 2026 07:44 مـ 27 شعبان 1447هـ

رئيس التحرير محمد يوسف رئيس مجلس الإدارة خالد فؤاد حبيب

رئيس التحرير محمد يوسف رئيس مجلس الإدارة خالد فؤاد حبيب

آراء وكتاب

خالد مصطفى يكتب: كيف تستطيع الأحزاب المصرية بناء جسور قوية مع المصريين فى الخارج

لم يعد دور المصريين في الخارج مقتصرا على التحويلات المالية أو الزيارات الموسمية بل أصبحوا قوة وطنية ممتدة تمتلك خبرات اقتصادية وعلمية وعلاقات دولية تمثل رصيداً استراتيجياً للدولة المصرية ومن هنا تبرز الحاجة إلى رؤية متكاملة تُعيد صياغة العلاقة بين الدولة وأبنائها في الخارج على أساس الشراكة والتوازن لا على أساس التواصل الموسمي أو التفاعل العابر لأننا فى عالم تتداخل فيه المصالح وتتشابك فيه الاقتصادات وتتنافس فيه الدول على العقول قبل الأموال لم يعد وجود ملايين المصريين في الخارج مجرد ظاهرة ديموغرافية بل أصبح رصيداً وطنياً بالغ التأثير فالمصريون بالخارج ليسوا فقط مصدر تحويلات مالية تُسهم في دعم الاقتصاد بل هم شبكة ممتدة من الخبرات والعلاقات الدولية والنجاحات المهنية التي يمكن أن تتحول إذا أُحسن توظيفها إلى قوة استراتيجية تعزز مكانة الدولة سياسياً واقتصادياً وثقافياً وهذا لن يأتى إلا من خلال بناء علاقة مستدامة مع المصريين بالخارج تتطلب إطاراً مؤسسياً واضحاً يقوم على فتح قنوات اتصال مباشرة ومنظمة ويمكن من خلالها فتح مقرات للحزب في الدول ذات الكثافة المصرية العالية خطوة نوعية في هذا الاتجاه بحيث تتحول هذه المقرات إلى منصات للحوار والتفاعل ومراكز لدعم المبادرات المجتمعية وجسور لنقل الرؤى والمقترحات إلى الداخل فالمصري بالخارج لا يبحث فقط عن خدمة بل عن شراكة حقيقية يشعر من خلالها أنه جزء أصيل من صناعة القرار فالمرحلة الراهنة تتطلب إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمصريين في الخارج على أساس جديد بشرط ان تكون علاقة شراكة متوازنة مؤسسية مستدامة علاقة لا تقتصر على الخدمات القنصلية أو المواسم الانتخابية بل تقوم على التواصل الدائم والاستفادة المتبادلة والانتماء الفاعل

على الجانب السياسي ….

تمثل المشاركة الانتخابية للمصريين في الخارج ركيزة أساسية في تعزيز مفهوم المواطنة الكاملة ومن هنا تأتي أهمية التوسع في مقرات الاقتراع بالخارج وتبسيط إجراءات التسجيل والتصويت بما يضمن مشاركة أوسع وأكثر فاعلية فكلما شعر المواطن بسهولة وصوله إلى حقه الدستوري زاد ارتباطه بمؤسسات دولته وتعززت الثقة المتبادلة بين الطرفين فالمشاركة السياسية هي التعبير الأوضح عن المواطنة الكاملة ومن هنا تأتي كما ذكرت ضرورة التوسع في مقرات الاقتراع بالخارج وتيسير إجراءات التسجيل والتصويت وتطوير آليات رقمية حديثة تواكب التطور العالمي فكلما كانت العملية الانتخابية أكثر سهولة وشفافية زادت نسبة المشاركة وتعززت الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته لكن التمكين السياسي لا يتوقف عند صندوق الاقتراع بل يمتد إلى إشراك الكفاءات المصرية بالخارج في صياغة السياسات العامة عبر منصات حوار واستشارات دورية بما يحولهم من جمهور متلقى إلى شركاء حقيقيين في الرؤية

أما على المستوى الاقتصادى ….

فإن المصريين في الخارج يمثلون طاقة استثمارية هائلة فإلى جانب التحويلات المالية يمتلك كثيرون منهم خبرات دولية وشبكات علاقات يمكن توظيفها لدعم الاقتصاد الوطني وهنا تبرز أهمية توفير نافذة موحدة للمعلومات الاستثمارية وتقديم حوافز واضحة وجاذبة مع تسهيل الإجراءات وتقليل البيروقراطية كما أن فتح آفاق تعاون مع الغرف التجارية العالمية عبر رجال الأعمال المصريين بالخارج يمكن أن يسهم في جذب استثمارات نوعية وفتح أسواق جديدة للمنتج المصري حيث تشكل تحويلات المصريين في الخارج أحد أعمدة الاقتصاد الوطني لكن الطموح يجب أن يتجاوز هذا الدور التقليدي نحو تحويل المدخرات إلى استثمارات إنتاجية مستدامة ويتطلب ذلك توفير نافذة استثمارية موحدة واضحة المعايير سريعة الإجراءات مع حوافز تنافسية تعكس تقدير الدولة لأبنائها في الخارج كما أن فتح آفاق تعاون مع الغرف التجارية العالمية عبر رجال الأعمال المصريين المنتشرين في مختلف الدول يمكن أن يخلق شبكة اقتصادية عابرة للحدود تروج للمنتج المصري وتجذب شراكات استراتيجية وتفتح أسواقاً جديدة للصادرات الوطنية

أما عن البعد الثقافي …

فهو لايقل أهمية عن البعدين السياسي والاقتصادي فربط الأجيال الثانية والثالثة من أبناء الجاليات المصرية بهويتهم الوطنية مسؤولية مشتركة ويمكن تحقيق ذلك عبر تنظيم فعاليات ثقافية وزيارات تعريفية بالمشروعات القومية وبرامج تواصل تعزز الانتماء وتبقي جذور الهوية حية ومتجددة فالمصري في الخارج سفير غير رسمي لوطنه وصورته عن بلده تنعكس على صورته في المجتمع الذي يعيش فيه وكيفية تفعيل عمليات التواصل بين المصريين فى الخارج والدولة من خلال تحويل الأمر من تواصل رمزى إلى حضور مؤسسى فعال وهذا لا يتحقق إلا
بفتح المزيد من المقرات التنظيمية في الدول ذات الكثافة المصرية الكبيرة ليس مجرد توسع إداري بل هو إعلان عملي بأن المصري في الخارج حاضر في قلب المشروع الوطني هذه المقرات يمكن أن تتحول إلى منصات للحوار المجتمعي ومراكز لاستقبال المبادرات ودوائر استشارية تنقل صوت الجاليات إلى الداخل بآليات منظمة وواضحة والهدف ليس إنشاء كيانات شكلية بل بناء شبكة تواصل احترافية تتابع قضايا المصريين بالخارج وتُعد دراسات دورية عن احتياجاتهم وتقترح حلولاً عملية قابلة للتنفيذ فالمؤسسية هي الضمان الوحيد لاستدامة العلاقة بعيداً عن الاجتهادات الفردية لذلك يجب الحفاظ على القوة الناعمة والهوية الوطنية لأن المصريون في الخارج هم سفراء غير رسميين لوطنهم سلوكهم نجاحهم اندماجهم الإيجابي في المجتمعات التي يعيشون فيها كلها عناصر تشكل صورة مصر عالمياً ومن هنا تبرز أهمية دعم الروابط الثقافية والتعليمية وتنظيم برامج تعزز ارتباط الأجيال الثانية والثالثة بهويتهم الوطنية حتى تظل جذور الانتماء حية ومتجددة فالاستثمار في الهوية ليس ترفاً بل هو حماية للمستقبل فالأجيال الجديدة إذا انقطعت عن جذورها انقطعت معها جسور التأثير الممتدة عبر القارات ونجاح هذه الرؤية يتطلب خطة زمنية دمج الخبرات المصرية بالخارج في استراتيجيات التنمية الوطنية وتحويل الجاليات إلى شبكات دعم اقتصادي ودبلوماسي مستدامة فالعلاقة بين الدولة والمصريين في الخارج يجب أن تقوم على معادلة واضحة على الدولة أن توفر التيسير والثقة والتمكين والمواطن في الخارج يساهم بالخبرة والاستثمار والدفاع عن صورة وطنه لإن تحقيق التوازن في العلاقة بين الدولة والمصريين في الخارج ليست مشروعاً دعائياً بل هى رؤية وطنية بعيدة المدى رؤية تقوم على الاستماع والتفاعل والتيسير والانفتاح رؤية تجعل من المصري بالخارج شريكاً في التنمية ومساهماً في صنع المستقبل لا مجرد متابع فالدولة القوية اليوم هي التي تُحسن توظيف امتدادها البشري عبر الحدود وتحول جالياتها إلى شبكة دعم عالمية لإن بناء هذا الجسر الممتد هو بمثابة استثمار في قوة مصر الناعمة وفي اقتصادها وفي صورتها الدولية وكل خطوة مؤسسية منظمة في هذا الاتجاه تقربنا من نموذج الدولة التي تحتضن أبناءها أينما كانوا وتستفيد من طاقاتهم وتمنحهم في المقابل الثقة والتمكين والانتماء لأن المصري في الخارج عندما يشعر أنه مسموع ومُمكن ومُقدر سيتحول تلقائياً إلى قوة دافعة للتنمية وسفير صادق لقيم بلاده ومستثمر واثق في مستقبل وطنه بهذه الروح يمكن أن تتشكل مرحلة جديدة من العلاقة بين مصر وأبنائها في الخارج مرحلة عنوانها الشراكة وأداتها التنظيم وغايتها المستقبل بهذه الرؤية يمكن أن ننتقل من مرحلة التواصل المحدود إلى مرحلة الشراكة الوطنية الشاملة حيث يصبح المصري في الخارج جزءاً أصيلاً من معادلة بناء المستقبل لا على هامشها بل في قلبها