الخميس 12 فبراير 2026 08:32 مـ 24 شعبان 1447هـ

رئيس التحرير محمد يوسف رئيس مجلس الإدارة خالد فؤاد حبيب

رئيس التحرير محمد يوسف رئيس مجلس الإدارة خالد فؤاد حبيب

آراء وكتاب

خالد مصطفى يكتب: التعليم بين الفوضى والإنضباط

من الطبيعي أن تختلف الآراء حول أي مسؤول عام خاصة في ملف حساس مثل التعليم لأنه يمس كل أسرة تقريباً فهناك من يقيّم التجربة من زاوية الانضباط والالتزام داخل المدارس ويرى أن اشتراط الحضور وتحقيق الكثافة الطلابية يعيد للمدرسة دورها الحقيقي وفي المقابل قد يركز آخرون على تحديات مثل الكثافة داخل الفصول أو جودة المناهج
أو أوضاع المعلمين ويرون أن الإصلاح يحتاج خطوات إضافية فالنقاش حول التعليم مهم وصحي لأنه يساعد على تطوير المنظومة بشكل أفضل لكن يبقى الهدف المشترك للجميع هو تحسين جودة التعليم وضمان مستقبل أفضل للطلاب في مصر حيث يظل التعليم هو حجر الأساس في بناء الأمم وميزان تقدمها الحقيقي فلا نهضة بلا مدرسة قوية ولا مستقبل بلا منظومة تعليمية مستقرة وواضحة المعالم وعلى مدار سنوات طويلة عانى التعليم من تحديات متراكمة أثرت في صورته ودوره فتراجع الانضباط واهتزت قيمة الحضور المدرسي وأصبحت المدرسة في نظر البعض مجرد محطة عابرة لا تؤدي رسالتها كاملة فلم يكن التعليم يوماً مجرد جداول دراسية أو مناهج تُحفظ وتُمتحن بل كان دائماً المرآة التي تعكس قوة الدولة وصلابة مؤسساتها فالأمم
لا تُقاس بما تملكه من موارد بل بما تصنعه من عقول وحين تضعف المدرسة يضعف معها الإحساس بالنظام وتتراجع قيمة الجهد ويبهت الحلم في أعين الأجيال لكن في الآونة الأخيرة برزت تجربة إصلاحية أعادت فتح النقاش حول دور المدرسة الحقيقي تجربة وضعت الانضباط في صدارة الأولويات وأكدت أن التعليم لا يمكن أن يستقيم دون حضور فعلي داخل الفصول وتفاعل مباشر بين المعلم والطالب وبيئة مدرسية نابضة بالحي . فالحضور لم يعد خياراً بل أصبح شرطاً للنجاح في رسالة واضحة مفادها أن المدرسة ليست مبنى فقط بل منظومة قيم وسلوك والتزام لسنواتٍ طويلة عاش فيها المجتمع حالة من القلق على مصير التعليم حيث تراجعت هيبة المدرسة وغاب الانضباط عن المشهد وأصبح الحضور مسألة اختيارية لا وزن لها حتى بدا وكأن العلاقة بين الطالب ومدرسته قد انفصمت فلم تكن الأزمة في المناهج وحدها ولا في الأبنية فقط بل في غياب فكرة أساسية أن التعليم التزام قبل أن يكون حقاً ومسؤولية قبل أن يكون خدمة لإن إعادة الاعتبار للمدرسة تعني إعادة الاعتبار لفكرة التعليم نفسها فالمدارس المكتظة بالطلاب رغم ما قد يراه البعض من تحديات في ذلك تعكس عودة الثقة في المؤسسة التعليمية وتؤكد أن الانضباط يمكن أن يكون نقطة الانطلاق نحو تحسين أعمق يشمل المناهج وتأهيل المعلمين وتطوير أساليب التقييم ثم جاءت مرحلة الوزير
محمد عبداللطيف التى أعادت ترتيب الأولويات من جديد فهى مرحلة وضعت الانضباط في قلب العملية التعليمية وأعلنت بوضوح أن المدرسة هي الأصل وأن الحضور ليس إجراءً إدارياً بل قيمة تربوية فحين يمتلئ الفناء بالطلاب وتعود الطوابير الصباحية وتنتظم الفصول لا يكون ذلك مجرد مشهد اعتيادي بل إعلاناً صريحاً بأن المؤسسة استعادت روحها فالتجربة الفريدة التي يشهدها قطاع التعليم فى عهد وزير التربية والتعليم الحالى تقوم على فلسفة بسيطة لكنها حاسمة لا إصلاح بلا استقرار ولا استقرار بلا قواعد واضحة تُطبق على الجميع حين يشعر الطالب بأن الحضور إلزامي وأن الجهد مطلوب وأن النجاح مرتبط بالالتزام فتتغير الثقافة التعليمية تدريجياً من الاعتماد على البدائل إلى العودة للأصل (المدرسة) لإن اشتراط الحضور للنجاح ليس تشدداً بل رسالة تربوية عميقة مفادها أن النجاح لا يُمنح بلا التزام وأن الطريق إلى التفوق يمر عبر مقاعد الدراسة لا حولها وان المدرسة ليست مبنى يزأر، بل بيئة تُشكل الشخصية وتغرس الانضباط وتعلم معنى المسؤولية وحين يعود الطالب يومياً إلى مدرسته فإنه لا يتلقى علماً فقط بل يتدرب على احترام الوقت والعمل ضمن جماعة وتحمل الواجب فقد تختلف الآراء حول السياسات والآليات للوزير وهذا أمر طبيعي في أي ملف وطني كبير لكن ما لا يختلف عليه اثنان هو أن التعليم يحتاج إلى قيادة حازمة ورؤية طويلة المدى واستمرارية في التنفيذ وكل هذه الأمور متوفرة فى شخص الوزير فالإصلاح الحقيقي لا يُقاس بردود الفعل اللحظية بل بقدرته على ترسيخ نظام مستقر يثمر جيلاً واعياً ومؤهلاً فالتجارب الإصلاحية الناجحة لا تبدأ دائماً بتغييرات صاخبة بل بخطوات حاسمة تعيد ضبط البوصلة والاستقرار التعليمي ليس رفاهية مؤقتة بل شرط أساسي لأي تطوير حقيقي فقبل تحديث المناهج وقبل إدخال التكنولوجيا لا بد من وجود نظام واضح يلتزم به الجميع فالانضباط هو الأرضية الصلبة التي يُبنى عليها كل إصلاح لاحق فقد تتباين الآراء حول الأساليب وقد يختلف البعض في تقييم النتائج لكن الثابت أن التعليم كان يحتاج إلى قيادة تتحمل مسؤولية القرار وإرادة لا تخشى إعادة الأمور إلى نصابها فالتعليم ليس مجالاً للتجريب العشوائي بل مشروع وطن يتطلب رؤية واستمرارية وثباتاً إن عودة المدرسة إلى مركزها الطبيعي تعني عودة الثقة وتعني أن الأسرة باتت تطمئن إلى أن أبناءها يتعلمون في بيئة منظمة وأن الدولة تضع التعليم في مقدمة أولوياتها ومع كل صباح دراسي منتظم يولد أمل جديد بأن هذا الجيل سيكون أكثر وعياً وأكثر انضباطاً وأكثر قدرة على حمل راية المستقبل لإن استمرار الاستقرار التعليمي ليس رفاهية بل ضرورة وطنية فكل خطوة تعيد للمدرسة رونقها وهيبتها هي خطوة نحو بناء مجتمع أقوى وأكثر قدرة على المنافسة والتعليم في نهاية المطاف ليس مجرد درجات وشهادات بل مشروع وطن يُبنى في الفصول يوماً بعد يوم فإذا كانت النهضة تبدأ من الفصل فإن استقرار التعليم هو أول الطريق إليها وحين تستعيد المدرسة رونقها فإن الوطن بأسره يستعيد جزءاً من قوته وهيبته لأن التعليم في جوهره ليس سياسة عابرة بل قدر أمة تصر على أن تبني مستقبلها بوعي وعلم وانضباط