مالك السعيد المحامي يكتب: الإنتربول وقضايا النفقة.. متى يتدخل ومتى يرفض؟
يثير موضوع قضايا النفقة وعلاقتها بالإنتربول جدلًا واسعًا في أوساط المتقاضين، حيث يتكرر سؤال شائع حول مدى إمكانية تدخل الإنتربول في هذه القضايا، وما إذا كان من الجائز إصدار نشرة حمراء بحق الزوج الهارب لإجباره على سداد مستحقات زوجته أو أولاده. ورغم بساطة السؤال في ظاهره، فإنه يعكس واحدة من أكثر المفاهيم القانونية الخاطئة انتشارًا في هذا الملف، خاصة مع تزايد النزاعات الأسرية ذات البعد الدولي، إذ تشير بيانات غير رسمية إلى أن ما يقارب 20% - 25 % من دعاوى النفقة في بعض الدول العربية بات أحد أطرافها مقيمًا خارج الدولة.
الإنتربول، أو المنظمة الدولية للشرطة الجنائية، لا يعد جهة تنفيذ أحكام ولا محكمة دولية، ولا يملك أي ولاية للفصل في المنازعات الأسرية أو المدنية. اختصاصه يقتصر حصريًا على التنسيق والتعاون الشرطي الدولي في الجرائم الجنائية، وفقًا لدستوره الذي يحظر عليه التدخل في أي قضايا ذات طابع سياسي أو عسكري أو ديني أو عرقي أو مدني. وبناءً على ذلك، فإن النزاعات المدنية، وقضايا الأسرة، والمطالبات المالية البحتة، بما فيها النفقة، تخرج في أصلها عن نطاق اختصاص الإنتربول، وهو ما يغيب عن إدراك كثير من أصحاب الحقوق.
القاعدة العامة المستقرة قانونًا تؤكد أن الإنتربول لا يتدخل في قضايا النفقة، ولا تصدر نشرة حمراء لمجرد وجود حكم نفقة، حتى وإن كان هذا الحكم واجب النفاذ. فحكم النفقة بطبيعته حكم مدني أسري، ولا يتحول تلقائيًا إلى شأن جنائي بمجرد سفر المحكوم عليه إلى خارج البلاد. وتشير ممارسات الإنتربول إلى أن آلاف الطلبات التي تقدم سنويًا من دول مختلفة تتعلق بنزاعات مالية أو أسرية يتم رفضها مبدئيًا، حيث تفيد تقارير دولية بأن أكثر من 60 % من طلبات النشرات الحمراء عالميًا تُرفض لعدم توافر الشروط الجنائية الصارمة.
ومع ذلك، فإن تدخل الإنتربول قد يطرح استثناءً في حالات محددة لا يكون سببها النفقة ذاتها، وإنما جريمة جنائية مستقلة نشأت عنها. من أبرز هذه الحالات صدور حكم جنائي نهائي بالحبس، إذا تطورت دعوى النفقة إلى جريمة الامتناع عن تنفيذ حكم، وصدر بشأنها حكم جنائي نهائي واجب النفاذ، وثبت أن المحكوم عليه غادر البلاد هربًا من التنفيذ. في هذه الحالة فقط يمكن بحث مدى قبول تعميم دولي، مع التأكيد أن التعميم لا يعني بالضرورة إصدار نشرة حمراء، إذ تخضع النشرات لتقدير صارم من الأمانة العامة للإنتربول، التي لا توافق إلا على نسبة محدودة من الطلبات بعد مراجعة قانونية دقيقة.
كما قد يُنظر في التدخل إذا ثبت وجود تحايل جنائي وليس مجرد نزاع أسري، كأن يغيّر المحكوم عليه محل إقامته عمدًا، أو يخفي بياناته، أو يستعمل وسائل احتيالية للإفلات من تنفيذ حكم جنائي نهائي. عندئذ قد يُكيّف السلوك باعتباره تهربًا جنائيًا، لا مجرد خلاف أسري، وهو فارق جوهري في التقييم القانوني الدولي.
في المقابل، يرفض الإنتربول التدخل قطعًا في حالات محددة، من بينها أن يكون الحكم الصادر حكم نفقة مدني فقط، أو أن يكون الحبس حبسًا إكراهيًا غير جنائي، أو أن يقتصر النزاع على خلاف أسري دون تجريم، أو أن يكون الطلب هدفه الضغط أو الانتقام، أو في حال عدم وجود حكم نهائي واجب التنفيذ. وفي هذه الصور، فإن أي طلب لإصدار نشرة حمراء يكون مصيره الرفض، وهو ما تؤكده السوابق العملية للإنتربول في مختلف الدول.
الخلط بين قضايا النفقة ودور الإنتربول لا يقتصر ضرره على سوء الفهم القانوني، بل يؤدي عمليًا إلى إضاعة وقت أصحاب الحقوق، وتقديم طلبات مرفوضة دوليًا، وغلق الملفات نهائيًا، بما يصعّب إعادة طرحها مستقبلًا. وتشير تقديرات قانونية إلى أن إعادة فتح ملف رُفض سابقًا لدى الإنتربول تقل فرص نجاحه بنسبة قد تتجاوز 70 %، خاصة إذا تبين أن الطلب الأول كان تعسفيًا أو مخالفًا لطبيعة اختصاص المنظمة. وفي المقابل، يقع بعض المحكوم عليهم ضحية نصائح غير متخصصة تزعم أن الإنتربول لا علاقة له بالنفقة مطلقًا، وهو تعميم غير دقيق، لأن الاستثناء الجنائي يظل قائمًا متى توافرت شروطه.
الطريق القانوني الصحيح في قضايا النفقة ذات البعد الدولي يتمثل في تنفيذ الأحكام عبر الاتفاقيات القضائية الثنائية أو متعددة الأطراف، واللجوء إلى الإنابات القضائية، ومتابعة التنفيذ في دولة إقامة المحكوم عليه، مع حصر دور الإنتربول في إطاره القانوني الضيق وعدم الزج به إلا إذا توافرت الشروط الجنائية الصارمة المنصوص عليها دوليًا.
في الخلاصة، الإنتربول ليس أداة لتحصيل النفقة، وليس كل هروب مبررًا لإصدار نشرة حمراء، والفصل بين الحق المشروع والوسيلة القانونية الصحيحة هو وحده ما يصنع الفارق بين مطالبة قانونية ناجحة وطلب دولي مرفوض من حيث الشكل والمضمون.
* كاتب المقال. مالك السعيد محامٍ متخصص في القضايا الدولية وقضايا الإنتربول، يتمتع بخبرة مهنية في التعامل مع النزاعات العابرة للحدود والملفات ذات الطابع الجنائي الدولي، لاسيما ما يتعلق بالنشرات الدولية وآليات التعاون الشرطي بين الدول، عمل على متابعة قضايا معقدة تجمع بين الأبعاد القانونية المحلية والدولية، ويعتمد في ممارساته على فهم دقيق لاختصاصات الإنتربول وحدود تدخله، بما يضمن توظيف الأدوات القانونية الصحيحة دون تعسف أو إساءة استخدام. ويقدّم استشارات قانونية قائمة على التحليل القانوني الرصين والالتزام بالمعايير الدولية .


