الخميس 22 يناير 2026 04:49 صـ 3 شعبان 1447هـ

رئيس التحرير محمد يوسف رئيس مجلس الإدارة خالد فؤاد حبيب

رئيس التحرير محمد يوسف رئيس مجلس الإدارة خالد فؤاد حبيب

آراء وكتاب

مالك السعيد المحامي

مالك السعيد المحامي يكتب: عالقون بين الحدود والقانون .. كيف تحمي نفسك بالطعن على قرارات الإنتربول

تُعَدّ قرارات الإنتربول، ولا سيما النشرات الحمراء، إحدى أهم أدوات التعاون الشرطي الدولي في ملاحقة المشتبه بهم وتنفيذ أوامر الضبط والإحضار عبر الحدود. غير أن هذه الأداة، على الرغم من مشروعيتها وأهميتها في مكافحة الجريمة المنظمة، قد تُستخدم في بعض الحالات بشكل يُلحق أضرارًا جسيمة بأشخاص غير مدانين قضائيًا، سواء نتيجة أخطاء إجرائية أو إساءة استخدام من بعض الدول، الأمر الذي يفرض ضرورة تفعيل آليات الطعن والمراجعة القانونية داخل منظومة الإنتربول بما يضمن عدم المساس بحقوق الأفراد وحرياتهم الأساسية.
يستند الإطار القانوني الناظم لعمل الإنتربول إلى نظامه الأساسي الذي يؤكد في مادته الثانية التزام المنظمة بروح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان واحترام الحقوق الأساسية للأفراد، كما تحظر المادة الثالثة من النظام الأساسي أي تدخل أو نشاط ذي طابع سياسي أو عسكري أو ديني أو عرقي. ويُستكمل هذا الإطار بنظام معالجة البيانات الذي يحدد القواعد الفنية والقانونية الخاصة بجمع البيانات الشخصية للأفراد وتخزينها وتداولها داخل قواعد بيانات الإنتربول، بما في ذلك النشرات الحمراء والتعاميم المختلفة.
يتيح نظام الإنتربول للأفراد المتضررين عدة مسارات إجرائية للطعن أو المراجعة، يأتي في مقدمتها اللجوء إلى اللجنة الرقابية على محفوظات الإنتربول، وهي الجهة المستقلة المختصة بالنظر في طلبات الاطلاع على البيانات الشخصية أو تصحيحها أو حذفها. ويجوز لأي شخص، سواء بنفسه أو من خلال ممثل قانوني، تقديم طلب مكتوب إلى اللجنة يوضح فيه أسباب الطعن، مع بيان أوجه مخالفة النشرة أو القرار لقواعد الإنتربول أو انتهاكه لحقوق الإنسان، وإرفاق المستندات الداعمة مثل وثائق الهوية، والأحكام القضائية، وأي قرائن قانونية ذات صلة. وتخضع هذه الطلبات لمعايير قبول شكلية وموضوعية قبل بدء الفحص الموضوعي.
كما ينص نظام معالجة البيانات على حق الأفراد في طلب حذف أو تعديل بياناتهم الشخصية متى ثبت عدم دقتها أو عدم توافقها مع القواعد المعتمدة، وهو مسار قانوني مستقل يُستخدم في الحالات التي تكون فيها البيانات قديمة أو غير مكتملة أو مبنية على وقائع لم تعد قائمة قانونًا. وفي بعض الحالات الاستثنائية، تتيح الممارسة العملية تقديم طلبات وقائية تهدف إلى منع نشر النشرة من الأساس، إذا تبيّن أن الطلب المرتقب ينطوي على طابع سياسي أو يمثل إساءة واضحة لاستخدام نظام الإنتربول.
من الناحية الزمنية، تمثل مدة الفصل في طلبات الطعن أحد أبرز التحديات العملية، إذ تشير الخبرات القانونية إلى أن متوسط زمن البت في الطلبات قد يتراوح بين أربعة أشهر واثني عشر شهرًا، بحسب تعقيد الملف وعدد الدول المعنية وحجم المراسلات المطلوبة مع الأمانة العامة. وخلال هذه الفترة قد يتعرض الشخص المتضرر لتقييد حريته في السفر أو للتوقيف المؤقت في بعض الدول، رغم عدم صدور أي حكم قضائي نهائي بحقه.
وعند قبول طلب الطعن أو المراجعة، يترتب على قرار اللجنة حذف النشرة أو تعديلها داخل قواعد بيانات الإنتربول، ويتم إخطار الدول الأعضاء بالتغيير وفق آليات الإخطار المعتمدة. ويترتب على ذلك زوال الأثر الدولي للنشرة، وإن كان هذا لا يمنع الدولة الطالبة من الاستمرار في إجراءاتها الوطنية أو الثنائية خارج إطار الإنتربول.
ورغم وضوح هذه المسارات القانونية، لا تزال آليات الطعن تواجه انتقادات حقوقية تتعلق بمحدودية الشفافية، وتعقيد الإجراءات الفنية، وارتفاع كلفة التمثيل القانوني المتخصص، فضلًا عن الآثار السلبية المترتبة على طول أمد الفصل في الطلبات، وهو ما قد يؤدي عمليًا إلى معاقبة أشخاص لم تثبت إدانتهم.
تلعب خبرة المحامي الدولية وعلاقاته الواسعة دورًا محوريًا في نجاح الطعن على قرارات الإنتربول، فهي لا تقتصر على تقديم الطلبات القانونية فحسب، بل تمتد إلى فهم تعقيدات النظام الدولي وسبل تفاعله مع القوانين الوطنية والدولية. المحامي المتمرس قادر على تسريع إجراءات المراجعة من خلال تقديم المستندات وفق الصياغات المقبولة لدى اللجنة الرقابية على محفوظات الإنتربول، ومعرفة المهل القانونية الدقيقة، وتوجيه الطلبات بشكل استراتيجي لتفادي أي رفض شكلي. كما تساعد العلاقات الدولية المتينة على الحصول على دعم مكاتب الإنتربول الوطنية والدولية، وتسليط الضوء على الحالات الطارئة، والتواصل الفعال مع السلطات القضائية في الدول المعنية لضمان عدم تقييد حرية الشخص أو تعرضه لتوقيف غير مبرر أثناء انتظار البت في الطعن. بهذا، يصبح دور المحامي الدولي ليس مجرد تمثيل قانوني، بل آلية حماية حقوقية استباقية تضمن أن يكون التعاون الدولي في مكافحة الجريمة متوازنًا مع حماية الأفراد من الأضرار الناتجة عن الاستخدام الخاطئ للنشرات الدولية.
بالنهاية .. فإن تفعيل الحق في الطعن على قرارات الإنتربول يقتضي مراجعة شاملة للإجراءات الحالية، بما يشمل تبسيط المسارات القانونية، وتقليص المدد الزمنية للفصل في الطلبات، وتعزيز الشفافية في عمل اللجان المختصة، وتوفير ضمانات أوضح لحماية الأفراد من إساءة استخدام النشرات الدولية. فالتوازن بين متطلبات التعاون الدولي لمكافحة الجريمة وحماية حقوق الإنسان لا يمثل خيارًا ثانويًا، بل هو شرط جوهري للحفاظ على مشروعية منظومة الإنتربول واستدامة الثقة الدولية في دورها ووظيفتها.