أضرار الشاشات على الأطفال: و التأثيرات الصحية والمعرفية والسلوكية
نجلاءفتحي
خلال العقدين الأخيرين تغيّر نمط حياة الأطفال بشكل جذري مع الانتشار الواسع للأجهزة الرقمية؛ من الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية إلى التلفاز والألعاب الإلكترونية ومنصّات البث. ورغم ما وفرته التكنولوجيا من فرص تعليمية وترفيهية، فإنّ الاستخدام المفرط للشاشات بات يمثل أحد أبرز التحديات الصحية والنمائية التي تحظى باهتمام الباحثين وصنّاع القرار الصحي حول العالم.
تستعرض هذه المقالة — بمنهج تحليلي مبني على نتائج دراسات علمية حديثة — أبرز الآثار الجسدية والمعرفية والسلوكية المرتبطة بالتعرّض المطوّل للشاشات لدى الأطفال، مع تسليط الضوء على الضوابط الوقائية والتوصيات المعتمدة.
---
أولًا: التطور العصبي والمعرفي وتأثير قلة التفاعل الإنساني
تشير الأبحاث إلى أنّ السنوات الأولى من عمر الطفل تُعدّ مرحلة حاسمة لنمو الدماغ، حيث يعتمد التعلّم على التفاعل الحسي والحركي المباشر، واللعب الحر، والتواصل اللفظي مع الوالدين والأقران. وعندما يحلّ التعرض للشاشات محلّ هذه الخبرات، يتراجع مستوى التحفيز العصبي اللازم لبناء الشبكات الإدراكية واللغوية.
وقد بيّنت دراسات تصوير الدماغ لدى الأطفال كثيفي التعرض للشاشات انخفاضًا في تكامل بعض المسارات المسؤولة عن اللغة والمهارات التنفيذية والانتباه، إلى جانب ارتباط الاستعمال المطوّل بضعف مهارات التواصل وتأخر الكلام لدى فئة من الأطفال في سن ما قبل المدرسة. كما ترتبط المواد الرقمية سريعة الإيقاع بتشتّت الانتباه وقلة الصبر المعرفي، مقابل ضعف القدرة على التركيز المستمر واللعب الرمزي والإبداعي.
---
ثانيًا: النوم والإيقاع البيولوجي
تؤثر الإضاءة الزرقاء المنبعثة من الشاشات في إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن تنظيم النوم، ولا سيما عند الاستخدام المسائي. وتظهر تقارير طبية ارتفاع معدلات صعوبات النوم، وتأخير زمن الاستغراق، وتقطع النوم لدى الأطفال الذين يستخدمون الأجهزة قبل النوم بساعة أو أقل. ويقود ذلك إلى إرهاق صباحي، وتراجع في الانتباه والتحصيل الدراسي، واضطراب في السلوك اليومي.
---
ثالثًا: الصحة الجسدية والحركية
يؤدي نمط الحياة الخامل المرتبط بالجلوس المطوّل أمام الشاشات إلى انخفاض النشاط البدني، وهو ما يرتبط بزيادة الوزن والسمنة المبكرة ومشكلات القوام وآلام الرقبة والظهر. كما تسجّل عيادات العيون ارتفاعًا في شكاوى إجهاد العين، وجفاف القرنية، وتشوش الرؤية لدى الأطفال الذين يقضون ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية، خاصة دون فواصل راحة أو إضاءة مناسبة.
---
رابعًا: التأثيرات السلوكية والانفعالية
يرتبط التعرّض المكثف للمحتوى الرقمي — خصوصًا الألعاب سريعة الإثارة أو المقاطع العنيفة — بارتفاع مستويات الاندفاعية والانفعال وقلة القدرة على تنظيم العاطفة. كما تشير دراسات سلوكية إلى أن الإفراط في الشاشات قد يزيد من السلوك الانسحابي الاجتماعي، ويحدّ من فرص الطفل على بناء مهارات الحوار والتفاوض واللعب التعاوني، وهي مهارات تُكتسب أساسًا من التفاعل الواقعي لا الافتراضي.
وفي بعض الحالات، يتأثر البناء الوجداني للطفل نتيجة مقارنة ذاته بما يشاهده على المنصّات الرقمية، بما قد ينعكس على مفهومه عن الصورة الذاتية والثقة بالنفس.
---
خامسًا: مخاطر المحتوى غير الملائم
على الرغم من التطور في أدوات الرقابة الأبوية، لا يزال عدد من الأطفال معرضين لمحتويات لا تناسب أعمارهم، مثل العنف أو التنمّر أو رسائل سلوكية وقيمية مشوَّهة. وقد وثّقت دراسات تأثير هذا النوع من المحتوى في زيادة السلوكيات العدوانية، وارتفاع القلق والكوابيس، وتشويش الفهم الواقعي للعلاقات الاجتماعية.
---
سادسًا: الفروق العمرية وحدود الاستخدام الآمن
تعتمد المنظمات الصحية الدولية ضوابط عامة لاستخدام الشاشات، أهمها:
تجنب الشاشات قدر الإمكان قبل عمر عامين، والاكتفاء بالتفاعل الواقعي واللعب الحسي.
من عمر 2 إلى 5 سنوات: لا يتجاوز الاستخدام ساعة واحدة يوميًا من محتوى عالي الجودة، بمشاركة أحد الوالدين.
من عمر 6 سنوات فأكثر: وضع حدود زمنية واضحة ومتوازنة، مع ضمان النوم الكافي والنشاط البدني والمشاركة الاجتماعية.
منع استخدام الأجهزة قبل النوم بساعة على الأقل، وتخصيص أماكن خالية من الشاشات داخل المنزل (مثل غرفة النوم ومائدة الطعام).
---
سابعًا: دور الأسرة والمدرسة وصنّاع المحتوي
تُعدّ الأسرة حجر الزاوية في توجيه سلوك الطفل الرقمي عبر: وضع قواعد واضحة، والمشاهدة المشتركة، والحوار حول المحتوى، وتقديم بدائل جذابة مثل القراءة، والأنشطة الفنية، والرياضة، واللعب الحر. كما تتحمّل المدارس مسؤولية التربية الإعلامية الرقمية وتنمية التفكير النقدي، في حين يُطالب صناع المحتوى بتطوير مواد آمنة وتعليمية تراعي الخصوصية العمرية.
واخيرا
لا تمثّل التكنولوجيا خطرًا في ذاتها، بل يتحول الخطر عندما يحلّ التعرض الرقمي محلّ التفاعل الإنساني والحركي والوجداني الضروري لنمو الطفل المتكامل. ده إنّ بناء ثقافة استخدام متوازن، قائمة على الوعي والرقابة والمسؤولية المشتركة بين الأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلامية، هو السبيل للحفاظ على فوائد العالم الرقمي دون التفريط بصحة أطفالنا ومستقبلهم.