أسعار النفط في 2026 بين ضغوط المعروض وتحولات السياسة العالمية
دخلت أسعار النفط عام 2026 وهي تحت ضغط واضح، بعد عام صعب سجلت فيه السوق أكبر تراجع سنوي منذ 2020. ومع بداية العام الجديد، لم يكن الهبوط نتيجة عامل واحد، بل حصيلة تفاعل معقد بين السياسة والجغرافيا والاقتصاد، من تطورات الحرب الروسية الأوكرانية، إلى تحركات الولايات المتحدة في فنزويلا، مرورًا بعودة التركيز على أساسيات السوق. وقد انعكس ذلك بوضوح على أداء مزيج برنت الذي تراجع إلى مستويات قريبة من 60 دولارًا للبرميل، في وقت يعيد فيه المتداولون تسعير المخاطر المستقبلية.
بداية 2026: هبوط مدفوع بالسلام المحتمل
أحد أبرز العوامل التي ضغطت على الأسعار كان التقدم المحرز في ملف إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا. فالأسواق، التي اعتادت تسعير علاوة مخاطر على الإمدادات الروسية، بدأت تنظر إلى احتمال عودة جزء من هذه الإمدادات بشكل أكثر انتظامًا في حال التوصل إلى اتفاق سلام أو ضمانات أمنية لكييف.
هذا السيناريو يعني عمليًا:
-
تراجع الاضطرابات في صادرات النفط الروسية
-
زيادة محتملة في المعروض العالمي
-
تضاؤل الحاجة إلى علاوة المخاطر الجيوسياسية
ومع أن روسيا واصلت منذ اندلاع الحرب تصدير كميات كبيرة إلى آسيا، فإن أي انفراج سياسي يقلل من حالة عدم اليقين التي كانت تدعم الأسعار نسبيًا خلال الأعوام الماضية.
فنزويلا تعود إلى الواجهة… ولكن بحذر
في الوقت ذاته، عادت فنزويلا لتتصدر المشهد النفطي، لكن ليس بوصفها مصدر صدمة صعودية، بل كعامل إضافي يعزز النظرة الهبوطية. فالإطاحة بنيكولاس مادورو وبدء الحديث عن عودة شركات النفط الكبرى فتحا الباب أمام توقعات بزيادة الإنتاج، ولو تدريجيًا.
مع ذلك، يشير خبراء السوق إلى أن:
-
إنتاج فنزويلا الحالي لا يمثل سوى نحو 1% من الإمدادات العالمية
-
البنية التحتية النفطية تعاني من تدهور شديد بسبب سنوات من نقص الاستثمار
-
أي زيادة كبيرة في الإنتاج تحتاج وقتًا واستثمارات ضخمة
لذلك، فإن الأثر الفوري لعودة النفط الفنزويلي يبقى محدودًا، لكنه يضيف إلى الصورة العامة لفائض المعروض المتوقع في 2026.
واشنطن تضيف ضغطًا جديدًا
زاد الضغط على السوق مع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول وفرة النفط الأميركية، وإعلانه عن ترتيبات تتيح للولايات المتحدة الحصول على عشرات الملايين من البراميل من الخام الفنزويلي. هذه الرسائل السياسية، حتى قبل ترجمتها إلى أرقام فعلية، لعبت دورًا نفسيًا مهمًا في السوق.
فالأسواق لا تتعامل فقط مع البراميل المتاحة حاليًا، بل مع التوقعات المستقبلية، وعندما تتكرر الإشارات إلى:
-
وفرة في الإنتاج
-
رغبة سياسية في خفض الأسعار
-
تقليل مخاطر تعطل الإمدادات
فإن الاتجاه العام يميل تلقائيًا إلى الهبوط.
فائض المعروض يعود إلى الواجهة
بعد سنوات كانت فيها الأخبار الجيوسياسية هي المحرك الأول للأسعار، يبدو أن السوق في 2026 عادت للتركيز على الأساسيات. وتشير تقديرات بنوك استثمارية كبرى إلى أن الفائض العالمي قد يتوسع في النصف الأول من العام، ويبلغ ذروته في منتصفه.
وتتمثل أبرز ملامح هذا الفائض في:
-
زيادات إنتاج من تحالف أوبك+ ومنتجين خارج التحالف
-
تباطؤ نسبي في نمو الطلب العالمي
-
استمرار الضغوط الاقتصادية في بعض الاقتصادات الكبرى
وقد انعكس ذلك بالفعل في منحنى الأسعار، حيث ظل النفط دون متوسطه لستة أشهر، وهو مؤشر تقني يعكس نظرة سلبية على المدى المتوسط.
أوبك+ في موقف صعب
في ظل هذه الظروف، يجد تحالف أوبك+ نفسه أمام معادلة معقدة. فمن جهة، يحتاج إلى دعم الأسعار للحفاظ على إيرادات الدول المنتجة، ومن جهة أخرى يواجه منافسة من منتجين خارج التحالف، وضغوطًا سياسية من كبار المستهلكين.
كما أن خفض السعودية لأسعار خامها الموجه إلى آسيا للشهر الثالث على التوالي يعكس محاولة للحفاظ على الحصص السوقية، حتى وإن كان ذلك على حساب الأسعار.
المخزونات الأميركية: صورة غير حاسمة
على صعيد البيانات، قدمت المخزونات الأميركية صورة مختلطة. ففي حين تراجعت مخزونات الخام، سجل البنزين ونواتج التقطير زيادات ملحوظة، ما يعكس ضعفًا نسبيًا في الطلب النهائي.
هذه المؤشرات تؤكد أن:
-
المشكلة ليست في توفر النفط الخام فقط
-
بل في قدرة السوق على امتصاص المنتجات النهائية
-
وهو ما يعزز الرؤية الحذرة تجاه تعافي الأسعار
هل هناك عوامل صعودية محتملة؟
رغم النظرة الهبوطية السائدة، لا يعني ذلك غياب أي عوامل قد تدعم الأسعار مستقبلًا. فالتوترات في الشرق الأوسط، والاحتجاجات في إيران، وأي تعثر مفاجئ في مفاوضات أوكرانيا، تبقى عوامل قادرة على إحداث ارتدادات قصيرة الأجل.
لكن الفارق في 2026 هو أن السوق باتت أقل حساسية لهذه الأخبار، وأكثر تركيزًا على توازن العرض والطلب الفعلي.
ختاما
يبدو أن عام 2026 يمثل مرحلة إعادة تسعير حقيقية لسوق النفط، بعد سنوات من التقلبات الحادة. فالهبوط الحالي ليس مجرد رد فعل على خبر عابر، بل نتيجة تراكم عوامل أساسية: فائض معروض، توقعات سلام، ورسائل سياسية واضحة حول وفرة الإنتاج. وبينما تبقى المفاجآت الجيوسياسية ممكنة، فإن الاتجاه العام يوحي بأن السوق تدخل فترة من الأسعار المنخفضة نسبيًا، حيث تحكم الأساسيات المشهد أكثر من العناوين العاجلة.

