الأحد 31 أغسطس 2025 01:25 صـ 6 ربيع أول 1447هـ

رئيس التحرير محمد يوسف رئيس مجلس الإدارة خالد فؤاد حبيب

رئيس التحرير محمد يوسف رئيس مجلس الإدارة خالد فؤاد حبيب

آراء وكتاب

بقلم.. عبدالحليم قنديل

وساطة أمريكا الموهومة

كعادته وعادة رئيسه فى التدليس بلا حياء ، كرر المقاول الصهيونى اليهودى "ستيف ويتكوف" إدانته الميكانيكية لحركة "حماس" الفلسطينية ، وادعى أنها السبب الوحيد لاستمرار حرب "غزة" ، وأنها رفضت كل صيغ واقتراحات التهدئة ، وحين ووجه "ويتكوف" باعتراض حتى من قناة "فوكس نيوز" ، وبإشارة إلى أن "حماس" وافقت على النسخة الأخيرة من مقترح "ويتكوف" نفسه ، فما كان من مبعوث السلام الأمريكى ، إلا أن خرج من السياق كله ، وقال أنها ـ أى "حماس" ـ وافقت تحت الضغط العسكرى "الإسرائيلى" ، ومن دون أن يتطرق بحرف إلى امتناع "بنيامين نتنياهو" ـ رئيس وزراء "إسرائيل" ـ عن الرد ، وإعاقته لهدنة الستين يوما المطروحة ، وقفز "ويتكوف" إلى الإيهام بوعود جديدة ، من نوع أن حرب "غزة" قد تنتهى قبل نهاية العام الجارى ، وأن رئيسه "دونالد ترامب" سيعقد اجتماعات كبيرة لبحث الحرب الجارية فى "غزة" ، وكان "ترامب" نفسه ، قد توقع قبلها نهاية الحرب فى غضون أسبوعين أو ثلاثة ، ثم عاد لسحب توقعه ، وقال أنها حرب مستمرة منذ آلاف السنين ، وقد لا يعرف أحد من أين أتى "ترامب" بآلاف سنينه تلك (!)، اللهم إلا إذا كان يتقمص شخص "نتنياهو" نفسه ، ويلبس قميص روحانيته وتاريخيته المزيفة ، وعلى طريقة نصوص توراتية مصنوعة ، تدعى أن الله وعد نبيه "إبراهيم " عليه السلام "لنسلك أورث هذه الأرض من نهر مصر إلى الفرات" .

وقد يصعب إقناع الجهول "ترامب" أو "ويتكوف" بشئ من حقائق الدين أو التاريخ أو الجغرافيا ، وهم لا يقيمون وزنا لشئ من ذلك كله ، والمهم عندهم وعند أمثالهم ، أن يسمعوا ويطيعوا "نتنياهو" فيما يزعم عن "إسرائيله الكبرى" ووعدها الكذوب ، وحتى فى تفاصيل التحركات اليومية ، تبنى مقترحاتهم فى الوساطة الأمريكية الموهومة على أساس واحد وحيد ، فالمقترح الذى وافقت عليه حركة "حماس" أخيرا ، حمل زورا اسم "مقترح ويتكوف" ، بينما هو فى الأصل من بنات أفكار ومناورات "نتنياهو" ، وعبر خمسة عشرة شهرا خلت ، كان الرئيس الأمريكى السابق "جو بايدن" ، قد افتتحها بمبادرة من ثلاث مراحل حملت اسم "بايدن" ، الذى قال بلسانه أنها وردته أصلا من "نتنياهو" ، ومضت الشهور الطويلة حتى طوى العام 2024 أوراقه ، ورحل "بايدن" عن البيت الأبيض ، ليجئ "ترامب" وإلى أن بدأ تنفيذ المرحلة الأولى فى 19 يناير الماضى ، ثم قرر "نتنياهو" وقف الانتقال للمرحلة الثانية ، واستأنف الحرب فى مارس الماضى تحت عنوان "عربات جدعون" ، التى احتل فيها ـ كما يقول "الإسرائيليون" ـ 75% من مساحة قطاع "غزة" ، وهدم 89% من مبانى "غزة" كلها ، ودمر 95% من المساحات المزروعة ، ورغم كل هذا الدمار وتلك الإبادة الجماعية الشاملة ، فقد عاد "نتنياهو" إلى تكرار أسطوانته المشروخة عن "النصر الساحق" الذى لم يتحقق بعد ، وعاد مع حكومته الفاشية المتطرفة إلى طرح خطة استكمال احتلال "غزة" بالكامل ، وإزالة ما تبقى من مدينة "غزة" والمحافظة الوسطى من حول "دير البلح" ، وإن كان "نتنياهو" يعانى من تردد قيادة جيش الاحتلال ، وهو ما دفع المجرم الغارق فى جنون العظمة إلى مستنقع الحيرة ، وإلى المراوحة بين قبول صفقة جزئية على طريقة "مقترح ويتكوف" ، أو السعى لصفقة شاملة نهائية .

وبطبائع الأمور ، انتقلت حيرة "نتنياهو" إلى البيت الأبيض ، وكما كان "بايدن" ناطقا باسم "نتنياهو" ، فإن "ترامب" يواصل الدور نفسه ويزايد عليه ، وبدعوى وساطة أمريكية ، لا تقوم على نزاهتها وحياديتها شبهة دليل ، فحرب "نتنياهو" هى ذاتها حرب "ترامب" ، وإجرام "نتنياهو" هو ذاته الإجرام الأمريكى ، وما يصدر عن حكومة "إسرائيل" فى البيت الأبيض ، هو ذاته ما يصدر عن حكومة "نتنياهو" ، أما الوسطاء العرب ، فليس عندهم حيلة أو حرية تصرف ، ودورهم مقصور على نقل اقتراحات "نتنياهو" بترجمتها الأمريكية إلى وفود "حماس" وأخواتها ، وقد تنتهى مشاورات واشنطن إلى تحريك ما لفكرة الهدنة الموقوتة بالستين يوما لا غير ، لكن "نتنياهو" الحريص على كسب مزيد الوقت ، لا ينوى التنازل عن شروطه الخمسة المشهورة لإيقاف الحرب نهائيا ، وأولها ـ بالطبع ـ نزع سلاح حماس ونفى قادتها العسكريين إلى خارج قطاع "غزة" ، ثم نزع سلاح "غزة" بكاملها ، وتأبيد السيطرة الأمنية "الإسرائيلية" على القطاع بأكمله ، ورفض وجود أى سلطة فلسطينية تتبع "حماس" أو "فتح" ، وتهجير الفلسطينيين فى "غزة" وحشرهم فى مناطق المواصى ورفح ، ودفعهم إلى ترك قطاع غزة بأكمله ، وتحت عناوين التهجير الطوعى ، وتنفيذ خطة "ريفييرا ترامب" .

وبديهى أن كل هذه الشروط ، لا يقبلها علنا فلسطينى ولا طرف عربى ، وإن أبدت أطرافا عربية حاكمة تأييدها الضمنى المستتر لكل الشروط أو بعضها ، وبالذات نزع سلاح "حماس" ونزع سلاح غزة بأكملها ، مع الزج باقتراحات مريبة ، من نوع نشر قوات عربية فى "غزة" ، تكون رديفا لقوات الاحتلال "الإسرائيلى" ، وتحت غطاء الحماية والتمهيد لإقامة دولة فلسطينية فى غزة والضفة والقدس المحتلة ، وتلك دعوى لا يصدقها أحد عاقل ، يعرف أن كل عناصر كيان الاحتلال وليس حكومة "نتنياهو" فقط ، ترفض بالجملة أى مسعى لإقامة أى كيان فلسطينى حتى لو كان منزوع السلاح ، وهذا موقف "نتنياهو" وموقف "ترامب" أيضا ، ليس فقط فى رفض إقامة دولة فلسطينية ، وفرض السيادة "الإسرائيلية" التامة على الضفة بعد ضم "القدس" ، مع التهجير الشامل لسكان غزة إلى خارج الحدود ، ومد هيمنة "إسرائيل" وحضورها العسكرى إلى كامل الجنوبين اللبنانى والسورى ، وإلى شرق الأردن وشمال السعودية ، وربما إلى مصر فيما بعد بحسب خرائط "إسرائيل الكبرى" .

والمعنى ببساطة من كل ما سبق ، أن الوساطات الأمريكية مجرد أوهام ، وأنه لا تبدو من نهاية قريبة لحرب الإبادة الأمريكية "الإسرائيلية" فى "غزة" ولا فى غيرها ، فالحروب لا تنتهى إلا أن تتحقق أهدافها ، ورغم الموات العربى المنظور ، وحالة "التحلل الرمى" المخيمة فى قصور الحكم بالذات ، فليس بوسع القوات الأمريكية "الإسرائيلية" أن تحرز كامل أهدافها فى المدى الظاهر ، والسبب ببساطة فيما تبقى من روح ونفس المقاومة العنيدة فى "غزة" قبل غيرها ، رغم حرب الإبادة الوحشية المتصلة لنحو قارب السنتين إلى الآن ، ارتقى فيها أكثر من ثمانين ألف شهيد معلوم ومفقود تحت الأنقاض ، وجرح فيها أضعافهم ، ووقع أكثر من مليونين تحت نيران القصف والقتل اليومى بالنار وبالتجويع ، وصمد الشعب الفلسطينى لكل هذا العذاب الأسطورى ، ومن دون أن تكف طلائعه عن مواصلة المقاومة المذهلة ، وإلى أن جاوزت خسائر جيش الاحتلال رقم العشرة آلاف بين قتيل وجريح ، وتزايدت نزعات انتحار العسكريين والهروب من خدمة الاحتياط فى جيش العدو ، وتصاعدت أمارات قلق التجمع "الإسرائيلى" كله من الحرب التى لا تنتهى .

وصحيح ، أن واشنطن تفتح كل خزائن مالها ومخازن سلاحها لجيش الاحتلال ، كما هو صحيح أن غالب الأنظمة العربية تخلت فعليا عن القضية الفلسطينية ، بل ذهب بعضها إلى دائرة التحالف مع "إسرائيل" والطاعة الآلية لرعاتها فى واشنطن ، لكن قضية فلسطين التى خسرت عمقها العربى والإسلامى فى أغلبه إلى حين ، راحت تكسب معنى عالميا غير مسبوق ، وبالذات فى عواصم الغرب الكبرى ، التى تنفض جماهيرها عبء الولاء الأعمى للرواية الصهيونية ، وأضافت للرواية الفلسطينية أرضا جديدة ، ضغطت بها الضمائر الحية على قرارات الحكومات ، ودفعتها فى كثير من الحالات إلى مقاطعة "إسرائيل" ، إضافة للنفور الشعبى المتزايد من "الإسرائيليين" عموما ، ومعاملتهم جميعا كمجرمى حرب وسفاكى دماء ، وكأن بركة الدم الفلسطينى عبرت البحار والمحيطات ، وجمعت ضمائر العالم الحية فى انتفاضة كبرى ضد الهمجية الأمريكية "الإسرائيلية" .

وبينما يرفع "نتنياهو" مع "ترامب" شعار القضاء على "حماس" والمقاومة الفلسطينية ، فإن النتائج تبدو عكسية إلى الآن ، وتبدو الدنيا الشعبية كلها ، وكأنها تريد بالمقابل القضاء على إجرام "نتنياهو" أولا ، وهو ما يرتد بآثاره على الداخل "الإسرائيلى" نفسه ، الذى تتسع قطاعاته الرافضة لتعنت "نتنياهو" ، ليس فقط فى مظاهرات أهالى الأسرى والرهائن والقتلى "الإسرائيليين" ، بل حتى فى مجتمع الحاخامات "الحريديم" المتشددين دينيا ، الذين تظاهروا وطالبوا "ترامب" بإرغام "نتنياهو" على وقف الحرب ، وحذروا من مصائر انهيار "إسرائيل" من داخلها ، وقد لا يلتفت الجمهور "الإسرائيلى" ولا حاخاماته إلى عذاب الفلسطينيين وحقوقهم ودمائهم ، لكنهم هلعون ـ طبعا ـ بسبب القلق على بقاء "إسرائيل" ذاتها ، وتلك مخاوف غريزية لها ما يبررها ، فلو نجا نصف سكان "غزة" من هول محارق الإبادة الجارية ، فقد يستطيع النصف الفلسطينى الناجى تقويض "إسرائيل" كلها ، ولو بعد حين .

[email protected]